
سوكتشو، مدينة (سي) تقع في أقصى شمال جمهورية كوريا. في أحد مستشفياتها يتكرر يوميًا مشهد لافت. متوسط أعمار المرضى اللي يجون للعلاج يتجاوز 70 سنة. وما هو نادر إن أبناء المرضى (المرافقين) بعد فوق الستين. وتقدر تشوف مشهد ابنٍ أشيب الشعر يشيل أمه المسنّة في منتصف الثمانينيات على ظهره عشان تتعالج، بمعدل مرة تقريبًا كل ساعتين.
يُعد مستشفى أونجيه (المعروف سابقًا باسم مستشفى بوغوانغ)، وهو أكبر مستشفى في مدينة سوكتشو، «خط المواجهة الأمامي» للرعاية الصحية المحلية والرعاية الطبية الأساسية. وكمان السيرة المهنية للطاقم الطبي عنصر يميّز المستشفى. فأساتذة كلية الطب اللي تقاعدوا عند بلوغ سن التقاعد من مستشفيات جامعية في سيول انتقلوا إلى سوكتشو البعيدة عشان يتولّون مسؤولية صحة السكان المحليين. ومؤخرًا، أثار أستاذ عمره 73 سنة إعجاب زملائه لما وقف مناوبًا طوال الليل في قسم الطوارئ.
التقت كوميدي.كوم بأستاذ الطب الباطني لي تاي-وون في مستشفى أونجيه، واللي قال إنه رجع يشتغل في الطوارئ لأول مرة منذ 40 سنة بعد فترة الإقامة. الأستاذ لي، وهو اختصاصي بارز في أمراض الكلى ومن خريجي مستشفى جامعة كيونغ هي، كان يدير مستشفى بعد تقاعده في 2019، ثم بدأ العمل في سوكتشو منذ سبتمبر/أيلول الماضي.
«مناوبة طوارئ بعد 40 سنة… كان قلبي يدق»
«عمري هذا العام 73 سنة. دخلت مناوبة الطوارئ لأول مرة من أيام الثمانينيات لما كنت طبيبًا مقيمًا. الزملاء حولي حاولوا يمنعوني، يمكن لأنهم كانوا خايفين على صحتي. وأنا كنت متحمس لدرجة إن النوم ما جاني.»
ولما استعاد الأستاذ لي تاي-وون ذكريات مناوبة الطوارئ في الشهر الماضي، لمع بريق عيونه كأنه طالب طب صغير.
في منطقة سوكتشو اللي ما فيها مستشفى جامعي ولا مستشفى عام من الدرجة العليا، تُدار منظومة طب الطوارئ عبر هيكل تتولى فيه مؤسسة طبية عامة هي «مركز سوكتشو الطبي» إلى جانب أكبر مؤسسة طبية وهي مستشفى أونجيه مسؤولية تقديم خدمات الطوارئ. وبعد استقالة مدير مركز طب الطوارئ في مستشفى أونجيه مطلع هذا العام، ما عاد فيه أحد يتولى مسؤولية القسم، فدقّ ناقوس الخطر بشأن استمرار التشغيل بشكل فوري.
كان لازم رؤساء الأقسام يتناوبون المناوبات، وإلا كان لازم يقفلون أبواب الطوارئ. ومع معاناة مركز سوكتشو الطبي من نقص مزمن في الكوادر، فإن توقف طوارئ مستشفى أونجيه عن العمل كان ممكن يزعزع منظومة طب الطوارئ في المنطقة كلها. وفي النهاية، قرر رؤساء أقسام الباطنة والجراحة تحديد جدول مناوبات لتولي دور «مدير مركز طب الطوارئ لليوم الواحد» بالتناوب.
الأستاذ لي تاي-وون، اللي كان مستبعد من جدول المناوبات بسبب تقدمه في السن، قرر طوعًا يشارك في مناوبات الطوارئ. وقال للصحفي إنها كانت تجربة ممتعة ومثيرة، لكن من منظور المستشفى وزملائه الأطباء كانت فعليًا قرار تحمّل فيه أستاذ متقاعد عبئًا ومخاطر كبيرة. بل إن الأستاذ لي كان مصابًا بعد ما تعرّض لطيحة قوية في الحمّام قبل يوم المناوبة مباشرة.

قال: «قبل المناوبة بأيام، كان الزملاء يزعجونني بسؤال: هل بتكون بخير؟» وأضاف ضاحكًا: «لما يقول طبيب كبير في السن ويبان عليه الضعف إنه بيوقف مناوب، طبيعي يقلقون عليه من باب المحبة». لكنه أردف: «العمل في الطوارئ له أقسام محددة لازم تقوم فيه، وبوصفي طبيب باطنة مثلهم ما كان يمديني أقول لحالي إني ما أقدر.»
وانتهت مناوبة الطوارئ بعد 40 سنة بنجاح. خلّص الشغل بدون صعوبات كبيرة، وما صار شيء استثنائي. غير إن تجاعيد زاوية عين الأستاذ المخضرم، اللي حفرتها السنين، بدت أعمق شوي وبس.
«بعد ما خلصت المناوبة، لاحظت إن أساتذة الجراحة والممرضات صاروا يناظروني بإعجاب أكبر. وبسبب كذا أحس إني صرت أتدلّع شوي في المستشفى هالأيام، وكان شعور لطيف.»
عيادة تحولت إلى «مجلس الحي»… الطبيب اللي يحتاجه الناس هو…
أبرز ما يميز عيادة الأستاذ لي تاي-وون إن المرضى اللي ما عندهم موعد يدخلون ويطلعون بشكل طبيعي. كثير يفتحون الباب ويقولون: «دكتور، جيت بس أسأل عن شيء واحد». وحتى الاستشارة مع المريض اللي عنده موعد، أول ما تبدأ، ممكن تمتد لعشرات الدقائق. هذا مشهد صعب تشوفه عادة في مستشفيات منطقة العاصمة.
وكمان يتولى بنفسه كل جولات المرور على المرضى المنوّمين والمرضى الموجودين في وحدة غسيل الكلى. وبسبب عدم وجود كوادر بديلة مثل الأطباء المقيمين، يصير طبيعي إن المرضى ومرافقيهم يقابلون وجه الطبيب المعالج كل مرة، ويسألون عن الحالة والتوقعات المستقبلية. وبالنسبة لسكان المنطقة، هذا يعني إن عتبة الوصول للرعاية الطبية تنخفض كثير.
عمل الأستاذ لي تاي-وون سفيرًا للتوعية بأمراض الكلى في جمهورية كوريا، وخلال فترة عمله في مركز كيونغ هي الطبي تولّى منصب مدير مركز الكلى الاصطناعية ومدير معهد الأبحاث الطبية-العلمية، وهو «طبيب مرموق» ومعترف بسمعته في مجال أمراض الكلى والغسيل الكلوي. لكن في مستشفى أونجيه، عليه هو كمان يصير «طبيب باطنة شامل».
«أساتذة المستشفيات الجامعية هم ‘اختصاصيون’ يتباهون بأعلى قدرات في مجالهم الدقيق. لكن في مستشفى إقليمي من المستوى الثاني، حتى لو ما كانت الحالة ضمن تخصصي الدقيق، إذا جاء المريض لازم أتعامل معه. لأن مستشفانا بالنسبة لهم غالبًا يكون الخيار الأخير قبل ما يضطرون يروحون بعيد لمنطقة ثانية.»

الأستاذ لي كمان رجع يذاكر الطب الباطني بمختلف فروعه منذ بدأ العمل في سوكتشو في سبتمبر/أيلول الماضي. ولما سُئل عن الكتب الطبية اللي مالية سطح مكتبه والرف اللي جنب الشاشة بشكل مرتب، قال: «إني أقدر أواصل التدريب والتطور بدون توقف… يا لها من بيئة سعيدة للطبيب.»
«المرضى اللي قابلتهم في سوكتشو ما يبان إنهم مهتمين كثير بسيرتي أو أنشطتي السابقة. كل اللي يسوونه إنهم يقولون: ‘شكرًا لأن شرحك واضح مرة يا دكتور’. بالبداية كان بعض المرضى جافّين في تعاملهم، لكن الحين يجون وقد قرأوا وبحثوا بنفسهم، ويسألون أسئلة دقيقة لدرجة تفاجئني. يمكن كانوا يبغون شرحًا لطيفًا بحد ذاته أكثر من لافتة ‘أستاذ جامعي’. أعتقد إن هذا هو دور المستشفى المحلي وسبب وجوده.»
