
تم التلاعب بفيديوهات وصور هبوط «أبولو 11» على القمر داخل استوديو.
تُخفي الحكومة الأمريكية أدلة على أن كائنات فضائية زارت الأرض.
يتحكّم بالعالم كله تنظيم سري يتكوّن من قلّة.
الإنسان بطبيعته يحب القصص، وينجذب إلى الحكايات الغريبة. وهذا أحد العوامل التي قد تجعلنا نقع في نظريات المؤامرة. وهو أيضًا سبب تكوّن جماعات من المؤمنين بنظريات المؤامرة المذكورة أعلاه.
يمكن تقسيم نظريات المؤامرة إلى نوعين كبيرين. الأول: نوع ينتهي عند حدود المتعة، وغالبًا ما تتوقف النظريات الثلاث أعلاه عند مستوى «أليس هذا مثيرًا جدًا؟». أما النوع الثاني مثل «كوفيد-19 مُفبرك، واللقاحات خدعة» أو «لا توجد أزمة مناخ» فيسعى إلى التأثير في الناس والعالم. هذه النظريات تعرقل الجهود الرامية إلى بناء حاضر صحي ومستقبل مستدام.
بدايةً، نحن نُصدّق بسهولة. ويبدأ الأمر من مثال صغير. الجملة التالية نُسبت طويلًا إلى باول يوزف غوبلز، وزير الدعاية في ألمانيا النازية، وظلت تُقتبس على نطاق واسع.
«يُنكَر الكذب في البداية، ثم يُشكّ فيه، لكن إذا تكرّر فسينتهي الأمر بأن يصدّقه الناس.»
فلنفكّر: هل كان سيكشف بهذه الطريقة عن استراتيجية وهو يروّج للكذب؟ لولا أنها مذكّرات يومية، لما كتب هذه الجملة علنًا أبدًا. وغوبلز لم يكتب هذه الجملة حتى في يومياته.
قبل شهرين، أشار مقال إلى أن هذا القول المأثور المنتشر عالميًا مُختلَق. (المصدر: «الكذبة القائلة إن تكرار الكذب يجعله حقيقة»، صحيفة هانغيريه، 2026.02.14.) لكن هذا المقال لم يتناول حقيقة وسياق أن رسالة مشابهة استُخدمت مباشرة لتحريض الألمان، لا بوصفها استراتيجية دعاية.
أدولف هتلر قال شيئًا قريبًا من هذا الاقتباس. ففي خطبته المطوّلة 〈كفاحي〉 التي ألقاها موجّهًا حديثه إلى الألمان، زعم أن «الجماهير تُخدع بالكذبة الكبيرة بسهولة أكبر من الكذبة الصغيرة». وهنا لا يقصد بـ«الجماهير» تلك التي حاول هتلر غسل أدمغتها مع غوبلز، بل الألمان الذين (بحسب تصور هتلر) انطلت عليهم أكاذيب نشرها اليهود.
كانت نظرية مؤامرة هتلر «مزدوجة». فقد روّج لنظرية مؤامرة تقول إن «اليهود خدعوا الألمان بكذبة كبيرة (مؤامرة)، فتسبّبوا في هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى». لنستمع مباشرة إلى نظريته المزدوجة.
عبرة مضادّة يقدّمها تطرف نظرية المؤامرة
«اليهود الذين يمتلكون القدرة على الكذب بلا أي حرج، ومعهم رفاقهم الماركسيون الذين يقاتلون إلى جانبهم، (…)، حمّلوا مسؤولية الانهيار لذلك الرجل نفسه الذي أظهر وحده إرادة وطاقة فوق بشريتين.»
و«ذلك الرجل» يشير إلى إريش لودندورف، نائب رئيس أركان الجيش الألماني، الذي قاد الحرب وهو يمارس ديكتاتورية عسكرية.
اكتسب النازيون نفوذهم بالاستناد إلى «نظرية المؤامرة اليهودية». وبعبارة أخرى، بعد هزيمة الحرب العالمية الأولى، أيّد الألمان بقوة ادعاء النازيين بأن كل شيء خطأ اليهود. وقد واسَت أسطورة «الطعنة في الظهر» الألمان المحبطين؛ أي الادعاء بأن الجيش الألماني أبدى شجاعة في الجبهة، لكن اليهود والشيوعيين في الخلف خانوا البلاد فتسبّبوا في الهزيمة.
الألمان الذين كانوا يفاخرون بعقلانيتهم آمنوا بنظرية مؤامرة سخيفة، وأوصلوا النازيين إلى الحكم، ثم دعموا وشاركوا بنشاط في المسار الذي اندفعت فيه الهستيريا نحو الهولوكوست. (وعند تتبّع هذا المسار كاملًا، يتضح مدى تجزئة أطروحة «تفاهة الشر» التي قدّمتها حنّة آرنت.)
لا يوجد لقاح مؤكّد ضد نظريات المؤامرة. حتى الشخص الذكي الذي حقق موضوعيًا إنجازًا أكاديميًا مرتفعًا قد يقع فيها. ويقول خبراء درسوا سيكولوجيا نظريات المؤامرة إن السمات الشخصية تؤثر في «العدوى» أكثر من الذكاء. ويشرحون أن من يميل إلى البحث عن الأنماط أو يعتمد كثيرًا على الحدس يكون أكثر عرضة نسبيًا للوقوع في نظريات المؤامرة.
ينبغي الحذر من نوع نظريات المؤامرة الذي يسعى إلى تغيير المجتمع. وعلى وجه الخصوص، فإن نظريات المؤامرة التي تُدين مجموعة بعينها بوصفها أصل الشر—كما فعل النازيون حين سمّوا اليهود—تنطوي على خطر كبير بأن تقترن بالسلطة أو تُرتكب تحت غضّ الطرف الرسمي لتتجه إلى مآسٍ. وقد انتشرت نظرية مؤامرة «تزوير الانتخابات» في الولايات المتحدة، وامتدت أيضًا في كوريا الجنوبية؛ وفي الداخل الكوري الجنوبي ينبغي رفع مستوى الحذر لأنها اقترنت بكراهية الصين.
إذا كان التوتر شديدًا وتريد أن تلوم شخصًا لا تعرفه
يحلّل عالم النفس دان آريلي في كتابه عن نظريات المؤامرة 〈سوء الاعتقاد〉 أن من يواجه موقفًا ضاغطًا غير متوقع قد يقع في العجز المتعلّم. (فالألمان الذين هُزموا في الحرب العالمية الأولى كانوا رازحين تحت عبء تعويضات حرب هائلة.) ثم يحذّر من أن تراكم التوتر يغذّي معتقدات خاطئة. وبعد ذلك يوضع «شرير» في مركز المعتقد الخاطئ؛ ويشرح آريلي أن «البشر أحبّوا الأشرار منذ القدم». ويبدو أنها آلية نفسية لتحويل المسؤولية، بحيث يُعزى الواقع المرعب إلى مؤامرة صنعها طرف معيّن بدلًا من اعتباره خطأً شخصيًا.
ما لم يتناوله آريلي هو تسليع نظريات المؤامرة. ففي فضاء الإنترنت تفيض شتى نظريات المؤامرة المُختلَقة فقط لجذب النقرات. وتتلقى مثل هذه المحتويات دعمًا أساسيًا من أشخاص يحملون قناعات اجتماعية وسياسية. ومع توظيف أساليب تسويق جذابة بإتقان، يقترب الناس من قمع «القُمع» الخاص بنظرية المؤامرة بدافع الفضول في البداية، ثم يغرقون فيها تدريجيًا.
قد تُنتج نظريات المؤامرة الاجتماعية والسياسية نتائج لا تقل عن الجائحة. والجانب الأكثر فظاعة فيها مقارنة بالجائحة أنها تُنتج الكراهية وردود الفعل العكسية.
يمكن لأي شخص أن يقع في مثل هذه النظريات. وأنا لست استثناءً. ومن لم يشكّ في قول غوبلز المأثور، ينبغي اعتباره ممن قد ينخدع بسهولة في البداية.
هل توترك شديد؟ هل تريد أن تلوم أحدًا؟ إذا كان الأمر كذلك، فتذكّر التفسير التالي للكاتب البريطاني المولود آلن مور، مؤلف الروايات المصوّرة.
«يؤمن الناس بنظريات المؤامرة لأنها تمنحهم راحة نفسية أكبر.»
