«اعتقدت أنها سكتة دماغية»… تشوش في الرؤية وضعف بالأطراف لدى ثلاثيني قد يشيران إلى «هذا المرض»

| إدخال:

85% من مرضى التصلب المتعدد لديهم نمط «الانتكاس-الهدأة»… تحسن الأعراض لا يمنع عودتها، والعلاج المنتظم أساسي

طبيب يراجع تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي (MRI) ويشرح للمريض نتائج الفحص. ويُعد فحص MRI مهماً في التصلب المتعدد لتأكيد وجود آفات التهابية في الدماغ والحبل الشوكي والعصب البصري. صورة=غيتي إيميجز بنك

إذا استيقظت يوماً لتجد أن الرؤية في إحدى العينين أصبحت ضبابية كأن غشاوة تغطيها، وترافق ذلك مع ضعف في الذراع أو الساق، فغالباً ما يتجه التفكير إلى السكتة الدماغية. فالتغير المفاجئ في النظر أو شلل أحد الأطراف قد يكون بالفعل إشارة إنذار لسكتة دماغية، ما يستدعي تشخيصاً وعلاجاً سريعَين.

لكن السكتة الدماغية ليست السبب الوحيد لمثل هذه الأعراض. وخصوصاً لدى من تتراوح أعمارهم بين 20 و40 عاماً، إذا ظهر تراجع في حدة البصر أو ضعف/نقص في القوة والإحساس بالأطراف خلال ساعات إلى أيام واستمر لأكثر من 24 ساعة، فينبغي إدراج أمراض التهابية في الجهاز العصبي المركزي مثل «التصلب المتعدد (MS)» ضمن الاحتمالات.

وقال مستشفى جامعة سونتشونهانغ في بوتشون، في 19 من الشهر الجاري، إن ظهور أعراض مبكرة مثل تراجع البصر أو الشلل أو اضطرابات المشي والتبول يستدعي التحقق أيضاً من احتمال الإصابة بأمراض التهابية في الجهاز العصبي المركزي مثل التصلب المتعدد. وشرحت الأستاذة كيم جي-أون من قسم طب الأعصاب أن التشخيص الدقيق يصبح أكثر أهمية عندما تتكرر هذه الأعراض أو تستمر لفترة طويلة.

تشوش الرؤية ثم تحسنها… لا يعني أن المرض توقف

التصلب المتعدد مرض مناعي ذاتي مزمن يهاجم فيه الجهاز المناعي «الميالين» الذي يحيط بالألياف العصبية في الدماغ والحبل الشوكي والعصب البصري.

ويشبه الميالين الغلاف الذي يحيط بالأسلاك الكهربائية، إذ يساعد على نقل الإشارات العصبية بسرعة ودقة. وعندما يتضرر هذا الغلاف وتتكرر الالتهابات، تتشكل آفات وندبات في مناطق متعددة من الدماغ والحبل الشوكي والعصب البصري. ومن هنا جاءت تسمية «التصلب المتعدد».

وتختلف الأعراض بحسب موضع الآفة. فإذا حدث التهاب في العصب البصري قد تبدو الرؤية ضبابية في عين واحدة أو تنخفض حدة البصر. وإذا تأثر الحبل الشوكي قد تضعف قوة الأطراف ويقل الإحساس أو تصبح المشي صعبة. وقد تظهر أيضاً ازدواجية الرؤية (رؤية الشيء على صورتين) أو الدوار أو اضطرابات التبول. كما يشكو بعض المرضى من إرهاق شديد وألم وتراجع في القدرة على التركيز.

ويظهر لدى نحو 85% من المرضى في البداية نمط «الانتكاس-الهدأة». وهو نمط تتطور فيه أعراض مثل تراجع البصر أو الشلل ثم تتحسن خلال أسابيع إلى أشهر، قبل أن تمر فترة من الزمن وتظهر مجدداً أعراض عصبية جديدة.

لكن اختفاء الأعراض لا يعني أن المرض توقف. فقد تُظهر صور MRI آفات جديدة حتى من دون أن يشعر المريض بأي خلل. ومع تكرر الالتهاب تتراكم أذية الأعصاب وقد تخلّف إعاقة على المدى الطويل.

نادر في كوريا… لكن أمراضاً نادرة مشابهة ليست قليلة

يُعد التصلب المتعدد أقل شيوعاً في كوريا مقارنة بأميركا الشمالية وأوروبا. وعلى مستوى العالم يُقدَّر عدد المصابين بنحو 2.9 مليون شخص.

وتوجد أيضاً دراسة تُظهر الوضع الراهن لمرضى كوريا. ففي دراسة تسجيلية وطنية قائمة على المستشفيات نُشرت هذا العام في المجلة العلمية الدولية 《علم الأعصاب (Neurology)》، قام الباحثون بمسح المرضى الذين يتلقون متابعة علاجية في 47 مستشفى خلال الفترة من يناير إلى مارس 2025. وبحسب حصر المرضى الذين تلقوا زيارة عيادات خارجية مرة واحدة على الأقل خلال الأشهر الستة الأخيرة، بلغ عدد مرضى التصلب المتعدد 1799.

واللافت أن أمراضاً التهابية أخرى في الجهاز العصبي المركزي تُسبب أعراضاً متشابهة لم تكن قليلة أيضاً. ففي الدراسة نفسها، بلغ عدد مرضى اضطراب طيف التهاب العصب البصري والنخاع الشوكي (NMOSD) 1616، وبلغ عدد مرضى المرض المرتبط بأجسام مضادة لبروتين قليل التغصن المياليني (MOGAD) 781. وبجمع الأمراض الثلاثة يصل العدد إلى 4196.

وتتسبب الأمراض الثلاثة جميعها في التهابات بالدماغ والحبل الشوكي والعصب البصري، ما قد يجعل الأعراض الظاهرة متشابهة.

لكن آلية حدوث المرض وطرق العلاج تختلف، لذلك يجب التمييز بينها بدقة.

فالتهاب العصب البصري في التصلب المتعدد يحدث غالباً في عين واحدة، كما أن التعافي يكون عادة أفضل نسبياً. في المقابل، قد يصيب NMOSD كلتا العينين أو يؤدي إلى تراجع شديد في البصر. وقد تظهر آفة نخاعية تمتد بطول ثلاث فقرات أو أكثر، أو يستمر الفواق الشديد والغثيان والقيء لأيام عدة. أما MOGAD فغالباً ما يترافق مع التهاب في كلا العصبين البصريين أو تورم في الجزء الأمامي من العصب البصري. وقد يظهر لدى الأطفال على هيئة التهاب دماغ ونخاع شوكي منتشر حاد مصحوب بتغيرات في الوعي.

وعند التفريق بين الأمراض الثلاثة، تُعد صور MRI للدماغ والحبل الشوكي والعصب البصري، إضافة إلى فحوص الدم، عناصر أساسية. ففي نسبة كبيرة من مرضى NMOSD يُكتشف «جسم مضاد للأكوابورين-4». أما في MOGAD فإن إيجابية «جسم مضاد الغلوبولين المناعي G ضد MOG» تُعد دليلاً مهماً للتشخيص. وفي التصلب المتعدد لا تُكتشف عادة هاتان الأجسام المضادة.

قد لا يُحسم التشخيص من أول فحص… التحقق من «متى وأين ظهر»

لا يُشخَّص التصلب المتعدد اعتماداً على فحص واحد فقط. إذ تُراجع الأعراض والفحص العصبي وصور MRI للدماغ والحبل الشوكي وفحوص الدم وفحص السائل الدماغي الشوكي معاً.

والنقطة المحورية هي التأكد من ما إذا كان الالتهاب قد ظهر في مناطق متعددة من الجهاز العصبي المركزي، وما إذا كانت هناك دلائل على حدوثه في أوقات مختلفة. ولا تقتصر القرائن على الشلل أو تراجع البصر الذي اختبره المريض فعلياً، إذ تُعد الآفات الجديدة التي تُكتشف في MRI عندما لا تكون هناك أعراض مؤشراً مهماً أيضاً.

ويُطبَّق حالياً «معيار ماكدونالد التشخيصي المُنقَّح لعام 2024». وفي المعيار المُنقَّح أُدرج العصب البصري ضمن المنطقة التشريحية الخامسة لتقييم آفات التصلب المتعدد. كما يُتحقق في السائل الدماغي الشوكي من مؤشرات مثل «الأشرطة قليلة النسائل (Oligoclonal bands)» التي تُظهر استمرار الاستجابة المناعية داخل الجهاز العصبي المركزي.

وعند ظهور الأعراض لأول مرة قد لا تكون الأدلة اللازمة للتشخيص النهائي كافية. وفي بعض الحالات يُشخَّص التصلب المتعدد بعد متابعة ما إذا كانت الأعراض ستنتكس لاحقاً أو بعد إعادة تصوير MRI للتأكد من ظهور آفات جديدة.

الأستاذة كيم جي-أون من قسم طب الأعصاب في مستشفى جامعة سونتشونهانغ في بوتشون صورة=مستشفى جامعة سونتشونهانغ في بوتشون

ارتباط بعدوى EBV… لكن العدوى لا تعني أن الجميع سيُصاب

يصعب تفسير سبب التصلب المتعدد بعامل واحد. إذ يُعتقد أن الاستعداد الوراثي وعدة عوامل بيئية تعمل معاً.

وتحظى العلاقة بعدوى فيروس إبشتاين-بار (EBV) باهتمام خاص. ففي دراسة حللت على المدى الطويل أكثر من 10 ملايين من أفراد الخدمة العسكرية الأميركية، ارتفع خطر الإصابة بالتصلب المتعدد بشكل كبير بعد العدوى بـEBV.

لكن هذا لا يعني أن عدوى EBV بحد ذاتها تعني الإصابة بالتصلب المتعدد. فمعظم المصابين بالعدوى لا يُصابون بهذا المرض. كما تُعد التدخين والسمنة في مرحلة المراهقة وانخفاض مستوى فيتامين D من عوامل الخطر المعروفة.

ونصحت الأستاذة كيم جي-أون قائلة: «قد يؤثر التدخين سلباً ليس فقط على خطر الإصابة بالتصلب المتعدد، بل أيضاً على مسار المرض، لذا يُفضَّل الإقلاع عنه».

الشفاء التام صعب لكن يمكن تقليل الانتكاسات… لا توقف الدواء من تلقاء نفسك

وتنقسم المعالجة عموماً إلى علاج المرحلة الحادة، وعلاج تعديل مسار المرض، وعلاج الأعراض وإعادة التأهيل.

وبحسب كيم، إذا حدثت انتكاسة تعيق الحياة اليومية مثل تراجع البصر أو الشلل، فيُستخدم ستيرويد وريدي بجرعات عالية لكبح الالتهاب سريعاً. وإذا كانت الأعراض شديدة ولم يتحقق تأثير كافٍ، يمكن النظر في تبديل البلازما.

وعلى المدى الطويل تُستخدم أدوية تعديل مسار المرض لتقليل الانتكاسات وظهور آفات جديدة. وفي كوريا تُستخدم عدة علاجات، منها الحقن والأدوية الفموية والأجسام المضادة وحيدة النسيلة التي تُعطى على فترات محددة. ومؤخراً تُناقَش أيضاً أهمية استراتيجية استخدام علاجات عالية الفعالية منذ المراحل المبكرة للمرض لمنع تراكم الانتكاسات والإعاقة بشكل نشط.

وفي حالات الإرهاق والألم وتيبس العضلات واضطرابات التبول والاكتئاب واضطرابات المشي، يُدمج العلاج الدوائي مع إعادة التأهيل وفقاً للأعراض.

وقالت كيم: «قد يبدو التصلب المتعدد غير مألوف لعامة الناس، لكنه قد يسبب تراجعاً في البصر وشللاً وإعاقة مترتبة على ذلك حتى لدى الفئات العمرية الشابة، لذا لا يمكن الاستهانة به إطلاقاً».

وأضافت: «لا يزال الشفاء التام صعباً، لكن يمكن بالأدوية منع الانتكاسات بما يكفي والحفاظ على حياة صحية»، مؤكدة أن «مسار المرض والعلاج الأنسب يختلفان من مريض لآخر حتى ضمن المرض نفسه، لذلك من المهم عدم تعديل الدواء أو إيقافه من تلقاء النفس، والتواصل بشكل كافٍ مع الفريق الطبي المختص والاستمرار على العلاج بانتظام».

×