أسر مرضى السرطان: الخوف من «الإنفاق» أضر بصحة مقدّمي الرعاية 8 مرات أكثر من الإنفاق الفعلي

| إدخال:

القلق يرفع احتمال القلق 7 مرات ويخفض جودة الحياة… بعيداً عن حجم ما يُدفع فعلاً للعلاج

أمّ تلازم ابنتها بعد تشخيص إصابتها بالسرطان. وأظهرت دراسة أن الضغط النفسي المرتبط بالعبء المالي الذي تعيشه أسر مرضى السرطان يهدد صحة مقدّمي الرعاية بدرجة أشد من الإنفاق الفعلي على تكاليف العلاج. صورة=Getty Image Bank

يقول أحدهم إنه لم يعد ينام جيداً منذ تلقّى والداه تشخيص الإصابة بالسرطان. هواجس من قبيل «كم سيكلّف الأمر لاحقاً، وهل سنستطيع تحمّله؟» لا تغادر ذهنه. وتُظهر نتائج دراسة أن هذا النوع من الضغط النفسي المرتبط بالمال لدى أسر مرضى السرطان ينهك صحة مقدّمي الرعاية بدرجة تفوق بكثير أثر الإنفاق الفعلي.

هل الخوف من تكاليف العلاج أشد وطأة من تكاليف العلاج نفسها؟

رغم أن التأمين الصحي يغطي جزءاً كبيراً من تكاليف علاج السرطان، فإن أدوية العلاج الكيميائي الجديدة غير المشمولة بالتغطية يتحملها المريض بالكامل. كما أن تكاليف الرعاية التمريضية الخاصة لا تشملها التغطية التأمينية أيضاً. وكلما طال العلاج زادت المصروفات، وإذا اضطر المريض أو الأسرة إلى التوقف عن العمل تراجعت الإيرادات.

وفي الأوساط الطبية يُطلق على هذا الأثر الاقتصادي الذي يطال المريض وأسرته خلال مسار علاج السرطان اسم «السُميّة المالية (financial toxicity)». أي إن العلاج نفسه، على غرار الآثار الجانبية للعلاج الكيميائي، قد يضر «الصحة المالية» للأسرة.

وخلال الفترة الأخيرة، لم يعد التركيز منصبّاً على ما يُدفع فعلاً فقط، بل باتت الضغوط النفسية بحد ذاتها—مثل الشعور بأن «المال قد لا يكفي»—تُعد عنصراً مهماً من عناصر السُميّة المالية.

(من اليسار) البروفيسور جو بي-ريونغ من قسم طب الأسرة في مستشفى جامعة سيول الوطنية، والبروفيسورة يو شين-هيه من مركز الرعاية التلطيفية والأخلاقيات السريرية، والبروفيسورة شيم جين-آه من الجامعة الكاثوليكية. صورة=مستشفى جامعة سيول الوطنية

لم تكن المسألة كم دُفع فعلاً… بل «ماذا لو»

في 29 من الشهر الجاري، أعلن فريق بحثي يقوده البروفيسور جو بي-ريونغ من قسم طب الأسرة في مستشفى جامعة سيول الوطنية، والبروفيسورة يو شين-هيه من مركز الرعاية التلطيفية والأخلاقيات السريرية، وبالتعاون مع البروفيسورة شيم جين-آه من الجامعة الكاثوليكية، نتائج تحليل شمل 200 من أفراد أسر مرضى السرطان المتقدم ممن يقومون بدور مقدّمي الرعاية.

وقاس الفريق العبء الاقتصادي عبر محورين: «العبء المادي» المتمثل في صعوبات سداد النفقات الطبية والمعيشية الفعلية، و«الضغط النفسي» مثل القلق المالي وفقدان الإحساس بالسيطرة.

وكان مقدّمو الرعاية ذوو الضغط النفسي المرتفع أكثر عرضة من غيرهم لتدهور جودة الحياة بمقدار 8.35 مرات، وللقلق بمقدار 7.44 مرات، ولتدهور الصحة الذاتية المُدركة بمقدار 3.77 مرات، وللاكتئاب بمقدار 2.81 مرات. في المقابل، لم يرفع «العبء المادي» بوصفه إنفاقاً فعلياً سوى خطر الاكتئاب بمقدار 2.67 مرات.

وبدا أن القلق من «ماذا لو لم نستطع تحمّل الأمر» ينهك مقدّمي الرعاية أسرع من خروج المال فعلياً.

لقاء الأصدقاء أقل من مرتين شهرياً… خطر أعلى

كما أظهرت النتائج أن العزلة الاجتماعية الناتجة عن تقديم الرعاية عامل مستقل يهدد صحة مقدّمي الرعاية.

فمقدّمو الرعاية الذين تقل تفاعلاتهم مع الأصدقاء (أقل من مرتين شهرياً) ارتفع لديهم خطر تدهور جودة الحياة بمقدار 2.36 مرات. أما من لا يشاركون في أنشطة اجتماعية فارتفع لديهم خطر الاكتئاب إلى 3.77 مرات، وخطر تدهور الصحة الذاتية المُدركة إلى 3.32 مرات، وخطر القلق إلى 2.49 مرات. وعلى العكس، كلما حافظ مقدم الرعاية على روابطه الاجتماعية، كان تأثير القلق المالي على الصحة أقل نسبياً.

ولعبت العلاقات مع الآخرين دور «ممتص الصدمات» في مواجهة الأثر النفسي.

ليست قصة تخص كوريا وحدها

وتشير دراسات خارجية إلى اتجاه مشابه. ففي دراسة نشرها فريق البروفيسورة غريس سميث من مركز إم دي أندرسون للسرطان في الولايات المتحدة خلال فبراير من هذا العام في 《JAMA Network Open》، تبيّن أن ما يقارب نصف 519 مريضاً بالسرطان عانوا السُميّة المالية. كما ثبت أن هذا العبء المالي يضعف الأمل والشعور بالدعم الاجتماعي، ويخفض حتى مستوى الرضا عن الحياة. وخلصت الدراسة أيضاً إلى أن الروابط الاجتماعية تؤدي دوراً محورياً في تخفيف الضغط المالي، وهي النتيجة نفسها التي توصلت إليها دراسة مستشفى جامعة سيول الوطنية.

وهناك أيضاً دراسة لفريق بحثي من كلية ديوك-إن يو إس للطب في سنغافورة نُشرت عام 2023 في 《Cancer Medicine》. وبعد متابعة 299 زوجاً من مرضى السرطان المتقدم ومقدمي الرعاية لمدة 33 شهراً، تبيّن أن 53% من مقدمي الرعاية بلغوا عتبة القلق أو الاكتئاب. كما ارتفعت احتمالات انزلاق مقدمي الرعاية الذين يواجهون صعوبات مالية إلى مسار يتفاقم فيه القلق والاكتئاب مع مرور الوقت.

«الدعم الاقتصادي وحده لا يكفي»… ما شدد عليه الخبراء

وقالت البروفيسورة شيم جين-آه من الجامعة الكاثوليكية: «يجب التعامل مع العبء الاقتصادي الذي تتحمله أسر مرضى السرطان ليس بوصفه مجرد إنفاق على نفقات طبية، بل من منظور الضغط النفسي»، مضيفة: «آمل أن تشكل هذه الدراسة أساساً لسياسات علاج ودعم متكاملة للسرطان تراعي الأسرة إلى جانب المريض». من جهتهما، قال البروفيسور جو بي-ريونغ والبروفيسورة يو شين-هيه من مستشفى جامعة سيول الوطنية: «غالباً ما تؤجل الأسر التي ترعى مرضى بحالات شديدة حياتها اليومية وعلاقاتها الاجتماعية»، مؤكدين أن «حماية جودة حياة مقدم الرعاية تتطلب، إلى جانب الدعم الاقتصادي، إنشاء منظومة دعم ملموسة وعاجلة تساعدهم على عدم فقدان الروابط الاجتماعية والدعم».

وأوضح الفريق البحثي أن هذه الدراسة، بوصفها دراسة مقطعية لمؤسسة واحدة، لها حدود في حسم العلاقة السببية، وأن هناك حاجة إلى دراسات طولية. ونُشرت الدراسة مؤخراً في الدورية العلمية الدولية 《Journal of the National Comprehensive Cancer Network (JNCCN)》.

وبجوار المريض الذي انتصر على السرطان، تقف أسرة تنهار بصمت. «القلق من المال» لدى هؤلاء ليس مسألة إرادة، بل مسألة صحة.

×