دواء التهاب المفاصل نفسه.. لماذا لا أتحسن أنا وحدي؟ الإجابة ليست «ذنبك»

| إدخال:

فريق بحثي في مستشفى بوتشون بجامعة سونتشونهانغ ينشر دولياً سر «عدم الاستجابة للعلاج» داخل أنظمة الجسم

امرأة تشعر بالألم وتمسك بيديها ومعصميها. كشف فريق بحثي في مستشفى بوتشون بجامعة سونتشونهانغ، عبر نموذج رياضي، أن عدم الاستجابة للعلاج في أمراض الروماتيزم ليس مشكلة مسار التهابي واحد، بل نتيجة تتشكل من تشابك عدة أنظمة داخل الجسم. صورة=Getty Image Bank

إذا كان الدواء الفموي نفسه، فلماذا يتعافى بعض الناس بينما لا يتحسن آخرون؟

في أمراض المناعة الذاتية مثل التهاب المفاصل الروماتويدي أو الذئبة، ورغم طرح مستحضرات بيولوجية حديثة وأدوية علاج موجّه تباعاً، لا يزال عدد غير قليل من المرضى لا تهدأ أعراضهم حتى بعد تجربة عدة أدوية بالتتابع.

قدّم باحثون في كوريا الجنوبية تفسيراً لهذه الفجوة. وقال فريق أساتذة قسم الروماتيزم في مستشفى بوتشون بجامعة سونتشونهانغ — كيم سونغ-سو وجون تشان-هونغ وجونغ هيه-مين — في 25 من الشهر الجاري إن «عدم الاستجابة للعلاج» في أمراض الروماتيزم التي لا تتحسن جيداً حتى مع تبديل العلاجات مرات عدة، ليس مشكلة مسار التهابي محدد واحد، بل نتيجة تنشأ من تشابك عدة أنظمة داخل الجسم مثل المناعة والجهاز العصبي والتمثيل الغذائي. وأكد الفريق هذه النتيجة عبر نموذج رياضي.

ونُشرت الورقة البحثية في عدد 15 أغسطس من مجلة 《npj Systems Biology and Applications》 الصادرة عن دار النشر الأكاديمية الدولية «سبرينغر نيتشر (Springer Nature)».

لماذا يوجد من لا يستجيب للدواء رغم أن المرض نفسه؟

بين مرضى التهاب المفاصل الروماتويدي، هناك من لا يصلون إلى حالة اختفاء شبه كامل للأعراض، أي الهدأة، حتى بعد استخدام عدة أدوية بالتتابع.

وعرّفت الرابطة الأوروبية لأمراض الروماتيزم في عام 2021 هؤلاء المرضى رسمياً على أنهم «التهاب مفاصل روماتويدي صعب العلاج (D2T)». وحتى الآن، تطور علاج أمراض الروماتيزم عبر أساليب تستهدف السيتوكينات، وهي مواد إشارية تفرزها الخلايا المناعية، أو عبر إيقاف مسار التهابي واحد بشكل محدد.

لكن في الممارسة السريرية الفعلية، تظهر حالات لا تفسرها هذه المقاربة بسهولة. ففي بعض الأحيان تكون مؤشرات الالتهاب في الدم طبيعية بينما يكون الألم والإرهاق شديدين، وفي حالات أخرى تتحسن الأعراض لكن مؤشرات الالتهاب تبقى مستمرة.

ومن هنا بدأ الفريق عمله. وافترض أن عدم الاستجابة للعلاج ليس خللاً في مسار واحد بعينه، بل نتيجة لاستمرار الجسم في حالة محددة بفعل عمل عدة أنظمة بيولوجية معاً.

داخل الجسم مفترقات طرق مختلفة

اختزل الفريق تعقيد جسم الإنسان في ثلاثة محاور. ▲محور يتناول مخاطية الأمعاء والميكروبات وتوازن المناعة الذي يمنع الجسم من مهاجمة أنسجته الذاتية ▲محور تتشابك فيه الأعصاب والأنسجة الدهنية والخلايا المناعية ▲محور يتناول أيض الخلايا واستجابة الإجهاد. وأطلق الفريق على النموذج الرياضي الذي يجمع هذه المحاور الثلاثة وستة متغيرات أساسية اسم «إطار التكامل ثلاثي المحاور (3-AIF)».

وأظهرت محاكاة هذا النموذج على الكمبيوتر أن حالة الجسم لا تنقسم إلى «صحة» و«مرض» فقط. فهناك أكثر من موضع يمكن أن يستقر فيه الجسم: حالة صحية تماماً، وحالة تكاد تخلو من الأعراض لكنها ليست شفاءً كاملاً، وحالة يستمر فيها المرض بالنشاط، وحالة لا يستجيب فيها العلاج جيداً.

في الجبال توجد عدة أودية. وكما يختلف موضع توقف الكرة بحسب الوادي الذي تسقط فيه، فإن المرضى الذين يحملون التشخيص نفسه يستقرون في «أودية» مختلفة تبعاً للخلفية الجينية والبيئة ومسار تطور المرض. وبالقدر نفسه، تباينت الاستجابة للعلاج بشكل حاد.

لماذا لا يعود الجسم بعد أن يتجاوز نقطة التحول؟

عندما يتجاوز التحفيز مستوى معيناً، ينتقل الجسم من الحالة الصحية إلى حالة المرض، وإذا اشتد التحفيز أكثر ينتقل حتى إلى حالة ضعف الاستجابة للعلاج.

لكن المشكلة تأتي بعد ذلك. فالجسم الذي انتقل مرة إلى حالة المرض لا يعود بسهولة إلى حالته الصحية السابقة بمجرد تقليل التحفيز الذي تسبب في المرض في البداية.

وأطلق الفريق على هذه الظاهرة اسم «ظاهرة الاعتماد على المسار (الهسترة)». أي إن اتجاه تفاقم المرض واتجاه عكسه ليسا متماثلين. وبذلك يُظهر النموذج رياضياً ضرورة التشخيص والعلاج المبكرين قبل تجاوز هذا المفترق.

وثمة نقطة لافتة أخرى. فمن بين المتغيرات الستة المُدخلة في النموذج، تركزت أعلى ثلاثة متغيرات تأثيراً في حالة المرض كلها ضمن محور الأعصاب والأنسجة الدهنية والخلايا المناعية. وكان العصب المبهم هو الأهم بينها. فهذا العصب الذي يصل الدماغ بالأعضاء الداخلية يساهم عبر الجهاز العصبي نظير الودي في تهدئة الالتهاب. وقد عُدّت هذه الوظيفة أهم متغير في النموذج بأكمله. وهي نتيجة تتقاطع أيضاً مع أحدث اتجاهات العلاج التي تتناول الأعصاب والمناعة معاً.

وتحقق الفريق من هذه النتائج بطريقتين.

أولاً، أعادوا إجراء المحاكاة بعد حذف كل محور على حدة. وعندها لم تظهر حالات الاستقرار المتعددة ولا ظاهرة الهسترة إلا عندما كانت المحاور الثلاثة متشابكة معاً. وإذا أزيل محور واحد فقط اختفى هذا النمط المعقد من الأساس.

ثانياً، تحققوا مما إذا كانت النتائج تتطابق مع بيانات مرضى حقيقية. إذ حللوا ست مجموعات من بيانات الجينات المتاحة علناً لخمسة أمراض مناعية ذاتية: التهاب المفاصل الروماتويدي، والذئبة، والتهاب الفقار اللاصق، والتهاب الجلد والعضلات، وتصلب الجلد الجهازي. وأظهرت النتائج أن الجينات التي تنبأ بها النموذج أبدت أنماطاً مختلفة بوضوح عن جينات أخرى في دم مرضى التهاب المفاصل الروماتويدي وفي نسيج الغشاء الزليلي للمفاصل.

(من اليسار) أساتذة قسم الروماتيزم في مستشفى بوتشون بجامعة سونتشونهانغ: كيم سونغ-سو، جون تشان-هونغ، جونغ هيه-مين صورة=مستشفى بوتشون بجامعة سونتشونهانغ

عدم استجابة الدواء ليست مشكلة إرادة

وأوضح البروفيسور كيم سونغ-سو أن «هذه الدراسة هي الأولى التي سعت إلى فهم مشكلة مرضى أمراض الروماتيزم صعبة العلاج من منظور النظام بأكمله، متجاوزة مستوى الجينات أو الخلايا الفردية. وهي ذات دلالة لأنها تطرح سبب اصطدام العلاج الموجّه لمسار واحد بحدوده في أمراض الروماتيزم صعبة العلاج، وتبرز الحاجة إلى استراتيجيات علاجية تضبط عدة محاور في الوقت نفسه».

ولا يزال يتعين تأكيد هذا النموذج عبر بيانات سريرية تتبع مرضى فعليين، إذ إن التحقق الحالي جرى على مستوى محاكاة الكمبيوتر وبيانات الجينات المتاحة علناً.

ويرسم كيم الخطوة التالية أيضاً. إذ يخطط للتحقق من النموذج باستخدام بيانات «متعددة الأوميكس» التي تحلل دفعة واحدة طبقات متعددة من المعلومات الحيوية مثل الجينات والبروتينات والمستقلبات.

وقال: «إذا جرى مستقبلاً اختيار مرضى التهاب المفاصل الروماتويدي غير المستجيبين للعلاج والتحقق من النموذج عبر بيانات سريرية طويلة الأمد وبيانات متعددة الأوميكس، فنتوقع أن يصبح ممكناً تحديد أي محور بيولوجي يقود عدم الاستجابة لدى كل مريض، وإتاحة علاج دقيق مُفصّل يأخذ عدة محاور في الاعتبار معاً».

ماذا ينبغي أن أتحقق منه الآن؟

لا يزال إدخال العلاج الدقيق المُفصّل إلى غرف العيادات يحتاج إلى مزيد من الوقت.

لكن هناك ما يمكن مراجعته فوراً. فإذا كنت قد استخدمت نوعين أو أكثر من المستحضرات البيولوجية أو أدوية العلاج الموجّه ذات آليات مختلفة، ومع ذلك لم تهدأ الأعراض بما يكفي، فهناك حاجة إلى مراجعة الأمر مجدداً مع الطبيب المعالج لمعرفة ما إذا كنت تندرج ضمن فئة «صعب العلاج (D2T)» المذكورة أعلاه.

ومن النقاط التي تستحق الانتباه أيضاً الشعور بأن الأعراض ونتائج الفحوص «لا تسير معاً». مثل أن تتحسن مؤشرات الالتهاب في الدم بينما يبقى الألم والإرهاق كما هما، أو بالعكس أن يقل الألم بينما تبقى مؤشرات الالتهاب على حالها. وقد تكون هذه إشارة إلى أن المسألة ليست مجرد إضافة دواء آخر، بل ضرورة النظر أيضاً إلى محاور أخرى مثل النوم والتوتر وصحة الأمعاء.

وألا تمرر هذا التباين مرور الكرام في الزيارة الطبية المقبلة؛ فذلك بحد ذاته قد يكون الخطوة الأولى لتسريع الوصول إلى علاج يناسب جسمك.

عدم استجابة الدواء لا يعني أن إرادة المريض أو جهده كانا غير كافيين. بل إن الجسم استقر في حالة معينة ضمن تفاعلات عدة أنظمة. وتقدم هذه النتائج تفسيراً جديداً للمرضى الذين كانوا يشعرون بالإحباط متسائلين لماذا لا يتحسنون وحدهم، كما تطرح خيطاً يقود إلى استراتيجية العلاج التالية.

×