
مع استمرار موجة الحر يوماً بعد يوم، يزداد تشغيل المكيف طوال اليوم في المنزل أو المكتب. ويقول بعض الأشخاص إن هواء المروحة لا يسبب مشكلة، لكن التعرض لهواء المكيف لفترة طويلة قد يترك الرقبة والكتفين أكثر تيبساً، مع ألم نابض في الركبتين أو أسفل الظهر.
كلاهما هواء... فلماذا يختلف الإحساس؟
المروحة تحرّك هواء الغرفة. وعندما يلامس الهواء الجلد يسحب حرارة الجسم ويعزز تبخر العرق، لذلك يبدو منعشاً في الأيام الحارة.
أما المكيف فيطلق هواءً تم تبريده مسبقاً. وإذا استمر هذا الهواء في ملامسة منطقة واحدة مثل الرقبة أو الكتفين أو الركبتين، فقد تنخفض حرارة الجلد في تلك المنطقة أكثر.
ولهذا قد يشعر من لديهم التهاب مفصل الركبة أو ألم أسفل الظهر المزمن بأن المفاصل أو العضلات المحيطة أصبحت أكثر تيبساً أو ألماً بعد التعرض لهواء المكيف لفترة طويلة.
وأوضح مستشفى يونسي سارانغ أن بروز الألم حول المفاصل أو العمود الفقري في بيئات التبريد الصيفية يُشار إليه أحياناً باسم «نزلة تكييف تصيب المفاصل». غير أن «نزلة تكييف تصيب المفاصل» ليست تسمية تشخيصية طبية رسمية. كما أن مصطلح «نزلة التكييف» المتداول يشير أيضاً إلى مجموعة من الأعراض مثل الصداع والإرهاق وآلام العضلات التي تظهر عند البقاء لفترة طويلة في أماكن داخلية مبردة بشكل مفرط.
هواء المكيف المباشر... لماذا يبدو أبرد وأكثر تسبباً في التيبّس؟
في مجال التدفئة والتبريد والتهوية وتكييف الهواء، يُطلق على ظاهرة انزعاج الشخص بسبب برودة مفرطة في جزء من الجسم نتيجة الهواء البارد اسم «درافت (draft)».
حتى مع نفس شدة الهواء، كلما كان الهواء أبرد سحب الجسم حرارة أكبر. ولهذا يشعر الشخص ببرودة أشد عندما يتعرض باستمرار لهواء بارد على الرقبة أو الكتفين أو الساقين وهو يقف مباشرة أمام مخرج المكيف أو أسفله.
وفي تجارب تعرّضت فيها أجسام لهواء المكيف، لوحظ أنه كلما زادت كمية الهواء التي يتعرض لها الشخص انخفضت حرارة الجلد في المناطق المكشوفة مثل الجبهة والذراعين واليدين.
المروحة مختلفة قليلاً. فهي ليست جهازاً يخفض درجة حرارة هواء الغرفة بحد ذاته، لذا تساعد على تبريد حرارة الجسم في الغرف الحارة.
لكن هذا لا يعني أن التعرض المباشر لهواء المروحة لفترة طويلة آمن دائماً. فإذا كانت الغرفة باردة بما يكفي وتعرض جزء واحد من الجسم لهواء قوي لفترة طويلة، فقد يشعر الجسم بالبرودة. كما أن تعريض الوجه للهواء باستمرار قد يسرّع تبخر الدموع ويجعل العينين جافتين.
المهم ليس فقط ما إذا كانت مروحة أم مكيفاً. فدرجة حرارة الهواء وشدته ومدة ملامسته لمنطقة واحدة تؤثر معاً. وعلى وجه الخصوص، يتميز الهواء المباشر للمكيف بأنه يجمع بين الهواء البارد وسرعة الهواء في الوقت نفسه.

هواء المكيف البارد لا يدمّر المفاصل
مع ذلك، لا توجد أدلة قاطعة على أن هواء المكيف البارد يسبب تلف غضروف المفصل أو يسرّع بحد ذاته تطور الفصال العظمي (التهاب المفاصل التنكسي).
كما أن نتائج الدراسات التي بحثت العلاقة بين درجة الحرارة وآلام المفاصل متباينة.
فقد راجعت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2023 في المجلة الدولية 《Annals of Medicine》 14 دراسة رصدية تناولت العلاقة بين الفصال العظمي والطقس. وأظهرت النتائج ميلاً إلى زيادة شدة ألم الفصال العظمي كلما انخفضت درجة الحرارة.
وهناك نتائج معاكسة أيضاً. إذ حللت مراجعة منهجية وتحليل تلوي آخران نُشرا عام 2024 بيانات 11 دراسة شملت 15315 شخصاً. ولم تُثبت النتائج وجود ارتباط واضح بين درجة الحرارة والرطوبة والضغط الجوي وكمية الهطول وبين حدوث أو تفاقم التهاب المفاصل الروماتويدي وألم الركبة وألم أسفل الظهر.
ولم يدرس أي من البحثين تأثير الهواء المباشر للمكيف بشكل مباشر، بل ركزا أساساً على العلاقة بين الطقس والألم. وبدلاً من الجزم بأن «هواء المكيف يفاقم التهاب المفاصل»، فإن الأدق هو القول إن بعض الأشخاص قد يشعرون بألمهم أو تيبسهم القائم بشكل أكبر عند التعرض لبيئة باردة أو لهواء مباشر.
قلّلوا فرق الحرارة بين الداخل والخارج، واجعلوا الهواء البارد بعيداً عن الجسم
لا حاجة لتحمّل الحر الشديد وتجنب التبريد لمجرد القلق على المفاصل. ففي الأيام شديدة الحرارة، يكون التبريد المناسب أكثر فائدة بكثير للوقاية من الأمراض المرتبطة بالحرارة. لكن يُستحسن ألا يتسع فرق الحرارة بين الداخل والخارج بشكل مفرط، وألا يلامس هواء المكيف البارد الجسم مباشرة وبشكل مستمر.
وتوصي وكالة مكافحة الأمراض والوقاية منها في كوريا بالحفاظ على فرق حرارة بين الداخل والخارج في حدود 5℃ تقريباً للوقاية من «نزلة التكييف» صيفاً، مع ضبط اتجاه الهواء بحيث لا يلامس هواء المكيف البارد الجلد مباشرة. كما يفيد تجهيز سترة خفيفة وشرب كمية كافية من الماء وتهوية المكان بشكل متكرر.
وفي الصيف، يشعر كثيرون بالراحة عادة عند درجة حرارة داخلية بين 24 و26℃. غير أنه لا يمكن اعتبار ذلك معياراً صحياً مطلقاً ينطبق على الجميع. فقد تختلف الدرجة المناسبة بحسب العمر والحالة الصحية ومستوى النشاط والملابس.
كما أوصى مستشفى يونسي سارانغ بضبط اتجاه الهواء بحيث لا يلامس هواء المكيف الركبتين أو الكتفين أو أسفل الظهر مباشرة، وبارتداء ملابس خفيفة طويلة الأكمام أو استخدام بطانية عند التواجد في مكاتب شديدة البرودة أو عند استخدام وسائل النقل العام.
حرّكوا الجسم كل 1 إلى 2 ساعة... وإذا استمر الألم فلا تُرجعوه فقط إلى «المكيف»
ومن الأفضل أيضاً تجنب الجلوس لفترة طويلة في وضعية واحدة داخل مكتب يعمل فيه المكيف.
ويوصي مستشفى يونسي سارانغ، إذا كان الشخص يمكث طويلاً في الداخل، بأن ينهض من مكانه كل 1 إلى 2 ساعة للقيام بتمارين تمدد خفيفة. يكفي ثني الركبتين ببطء ثم فردهما، وتحريك أسفل الظهر والكتفين. والأهم هو عدم البقاء في وضعية واحدة لفترة طويلة.
وإذا كان الشخص يعاني أساساً من الفصال العظمي (التهاب المفاصل التنكسي) أو ألم أسفل الظهر المزمن، فعليه الحذر من إرجاع كل آلام الصيف إلى «المكيف». إذ قد يكون السبب مرضاً قائماً في المفاصل أو العمود الفقري إذا استمر الألم أو ازداد سوءاً رغم تغيير بيئة التبريد.

وقال جونغ غوانغ-آم، مدير مستشفى يونسي سارانغ: «إذا اعتبر الناس آلام المفاصل في الصيف مجرد ألم موسمي بسيط أو ظاهرة مؤقتة وتركوه دون علاج، فقد يتفاقم المرض»، مضيفاً: «إذا استمر الألم لأكثر من أسبوع حتى بعد تحسين البيئة الداخلية، فيجب الحصول على تشخيص وعلاج دقيقين من طبيب عظام متخصص».
ولا حاجة لتجنب المكيف للحفاظ على صحة المفاصل في الصيف. ففي موجات الحر الشديد، يُستحسن استخدام التبريد بشكل مناسب مع تجنب ملامسة الهواء البارد لمنطقة واحدة لفترة طويلة، وألا يتسع فرق الحرارة بين الداخل والخارج بشكل مفرط. ولا تنسوا تحريك الجسم بين الحين والآخر.
