طلعت تمشية مرة، واليوم اللي بعده جلست منسدح طول اليوم… أعراض ما تتحسن حتى مع الراحة، ليه؟

| إدخال:

كل ما تحرّكت تسوء الحالة ويصير التفكير أثقل… تقديرات توصل إلى 67 مليون شخص حول العالم

امرأة في منتصف العمر لابسة مِريلة وجالسة في غرفة المعيشة عشان ترتاح. تُعرَف متلازمة التهاب الدماغ والنخاع العضلي/متلازمة التعب المزمن (ME/CFS) بأنها مرض يتميّز بإرهاق شديد ما يروح حتى مع الراحة الكافية، وبـ«ضبابية الدماغ». الصورة=Getty Images Bank

عادةً الناس يتعافون بعد ما يتحرّكون شوي ثم يرتاحون.

لكن مرضى متلازمة ME/CFS وضعهم مختلف. مجرد طلعة خفيفة ممكن تتعب الجسم بسرعة، وفي الحالات الشديدة ممكن بعد يوم أو يومين تجي دفعة وحدة آلام مع تراجع واضح في القدرة على التركيز. وكثير يوصفونها بقولهم: «مخي ما عاد يشتغل».

هل هو بس ضعف لياقة أو مسألة إرادة؟ المختصّون اللي يعرفون ME/CFS يهزّون راسهم بالنفي.

«تمرّنت وفجأة مخي وقف»… ليه يصير كذا؟

في هذا المرض يستمر إرهاق شديد لأكثر من 6 أشهر، وما يتحسن بسهولة حتى مع الراحة الكافية. كمان تنخفض القدرة على أداء الأنشطة اليومية بشكل ملحوظ مقارنةً بالسابق.

في المعايير التشخيصية الحالية يُعد وجود «توعّك ما بعد الجهد (PEM·post-exertional malaise)» من أهم معايير التشخيص. ويتم النظر أيضًا إلى ما إذا كان فيه تراجع بالقدرة على النشاط، وتعب ما يروح حتى بعد النوم، وانخفاض بالوظائف الإدراكية.

الشخص الطبيعي ممكن يحس بتعب بعد التمرين، لكنه يرجع لطبيعته بعد يوم أو يومين راحة. أما مرضى ME/CFS فكثيرًا ما تسوء حالتهم بعد 12 إلى 48 ساعة أكثر من وقت ما خلصوا التمرين أو الطلعة مباشرة. تجيهم آلام وإرهاق شديد ويصير الذهن مُغبَّش. عشان كذا يقولون: «حسبتني تمام، وبعدين فجأة انهار جسمي».

ومو بس الجهد البدني اللي يثير PEM. حتى الجهد الذهني لوحده—مثل القراءة أو المحادثة أو أي شغل يحتاج تركيز—ممكن يفاقم الأعراض.

ليه يصير هذا؟ الباحثون يشيرون إلى احتمال أن الجسم ما ينتج الطاقة بشكل سليم، وأن تفاعلات الالتهاب واضطرابات الدورة الدموية ممكن تظهر مع بعض.

الرياضة عادةً تساعد على صحة الجسم، لكن عند هالفئة ممكن تصير «زناد» يحرّض استجابة التهابية بشكل مبالغ فيه. وفي تفسيرات تقول إن اضطراب الدورة الدموية يدخل بالموضوع أيضًا، بحيث ما يوصل للعضلات والدماغ أكسجين وطاقة كفاية. ممكن تشبيهها ببطارية فاضية وما تشحن زين. ومع تداخل هالتغيرات ممكن المريض يدخل في إنهاك شديد حتى بعد مشي خفيف.

«تشوّش مخي قبل جسمي»… ليه هذا يختلف عن الخرف؟

في ME/CFS شائع إن وظائف الدماغ تتباطأ قبل أعراض الجسم.

«أحس كأن براسي قطن». «أفكاري متأخرة خطوة».

ومن هنا جاء مصطلح ضبابية الدماغ (brain fog): يعني التفكير ما يصير واضح، كأن فيه ضباب داخل الرأس. الكلمات ما تجي بسرعة، وينسى الشخص وش كان ناوي يسوي قبل لحظات، والتركيز ما يطوّل. وهذا التراجع بالوظائف الإدراكية يُلاحظ كثيرًا عند مرضى ME/CFS.

بعد منتصف العمر ممكن يجي قلق من نوع «هل هذا بداية خرف؟». لكن النمط مختلف. الخرف عمومًا يُعرَف بأنه مرض تتقدم فيه أذية خلايا الدماغ والتغيرات التنكسية تدريجيًا وببطء.

أما الباحثون فيرون أن ضبابية الدماغ في ME/CFS أقرب لحالة ما تشتغل فيها وظائف الدماغ بشكل سليم بسبب تداخل الالتهاب واضطراب تدفق الدم واضطراب استقلاب الطاقة معًا، أكثر من كونها عملية فقدان تدريجي لخلايا الدماغ. والتفسير أن الالتهاب الناتج عن فرط تنشيط المناعة يؤثر على الدماغ، ومع انخفاض تدفق الدم تصير اضطرابات في إنتاج طاقة الخلايا.

إلى الآن ما فيه علاج مُثبت بشكل قاطع. وعند بعض المرضى ممكن تتحسن الوظائف الإدراكية إذا خفّت أعراض مثل اضطرابات النوم والألم والتعب العام.

«مو مجرد تعب»… ليه حتى الاسم غيّروه؟

سوء الفهم حول هذا المرض متجذّر. وبسبب اسم «التعب المزمن» كثير من المرضى واجهوا اتهامات مثل «مو كسل؟» أو «مو ضعف إرادة؟».

عشان كذا تستخدم جمعيات المرضى وبعض الباحثين اسم ME/CFS أو ME (التهاب الدماغ والنخاع العضلي) بدل «متلازمة التعب المزمن»، للتأكيد أنه مو إرهاق عابر، بل مرض تتداخل فيه اضطرابات المناعة واستقلاب الطاقة والوظائف الإدراكية وغيرها.

يُذكر أن فلورنس نايتنغيل (1820~1910)، مؤسسة التمريض الحديث المعروفة بلقب «ملاك الرحمة»، ما قدرت لفترة طويلة تمارس نشاطها الطبيعي بسبب وهن غير مفسَّر وآلام بعد حرب القرم (1853 إلى 1856). وبعض الباحثين وجمعيات المرضى أشاروا لاحتمال أنها كانت تعاني حالة مشابهة لـME/CFS. لكن ما نقدر نطبّق معايير التشخيص الحالية اعتمادًا على السجلات الطبية وقتها، لذلك يبقى هذا التفسير ضمن نطاق الترجيح.

وفي عام 1992 جعل الناشط الأمريكي الداعم للمرضى توماس هينيسي جونيور يوم 12 مايو—وهو يوم ميلاد نايتنغيل—«اليوم العالمي للتوعية بـME/CFS (World ME Day)» بسبب هذه الرمزية. وحاليًا تنفّذ جمعيات المرضى والباحثون في دول كثيرة حملات لرفع الوعي. واختيار يوم ميلاد نايتنغيل كتاريخ للمناسبة يحمل معنى تذكّر المرضى اللي ما كان يتم فهمهم بشكل صحيح لفترة طويلة.

«جسمي تحسّن بس مخي ما يشتغل»… أعراض مستمرة بعد كوفيد طويل الأمد

ومع أن الوصمة السلبية حول المرض موجودة، إلا أن عدد المرضى مو قليل. بعض جمعيات المرضى تقدّر أنه إذا أخذنا زيادة حالات كوفيد طويل الأمد (مضاعفات ما بعد كوفيد-19) بالحسبان، فقد يوصل العدد عالميًا إلى 67 مليون شخص كحد أقصى. قبل كوفيد-19 كان العدد قرابة 17 مليونًا، لكن مع الارتفاع الحاد في حالات كوفيد طويل الأمد قفز الرقم بشكل كبير.

وفي السعودية ما فيه إحصاءات رسمية، لكن يُقدَّر أن العدد قد يوصل إلى مئات الآلاف، ويُعتقد أن كثيرين يعيشون بدون تشخيص. ولأنه ما فيه إلى الآن اختبار واحد حاسم للتشخيص مثل تحليل دم محدد، يتم تقييم نمط الأعراض مع التحقق أيضًا من احتمالات أمراض أخرى.

وقد تم توثيق هذه الأعراض فعلًا في أبحاث محلية. ونُشرت نتائج دراسة شارك فيها المعهد الوطني لأبحاث الصحة في مجلة 〈Infection & Chemotherapy〉 في إصدار عام 2025. وكانت دراسة متابعة لـ66 مريضًا استمرت لديهم أعراض كوفيد طويل الأمد لأشهر بعد الإصابة بكوفيد-19. اشتكى 34.8% من المرضى من التعب، و30.3% من تراجع الذاكرة، و24.2% من انخفاض القدرة على التركيز.

إذا ما هو تعب ولا توتر… أجل وش هو؟

ضبابية الدماغ والتعب المزمن ما يعنيان دائمًا ME/CFS. ممكن تظهر أعراض مشابهة مع قلة النوم، والتوتر، والاكتئاب، واضطرابات القلق، وفقر الدم، وأمراض الغدة الدرقية، وانقطاع النفس أثناء النوم. والتأكد من هذه الأسباب يجي أولًا.

لكن إذا تكرر النمط التالي فهنا تحتاج استشارة طبيب مختص. إذا استمر إنهاك ما يتحسن حتى مع الراحة الكافية لأكثر من 6 أشهر، وإذا ساءت الأعراض بعد 12 إلى 48 ساعة من نشاط خفيف بدلًا من أن تتحسن، وإذا تكرر نفس النمط مو بعد النشاط البدني فقط بل حتى بعد نشاط ذهني مثل القراءة أو المحادثة.

إذا اجتمعت هالثلاثة مع بعض، فقد تكون إشارة إلى خلل في «نظام التعافي» في الجسم نفسه، أكثر من كونها مجرد حالة تعب عادية.

×