
يُعد سرطان الرئة في كوريا ثاني أكثر السرطانات حدوثاً، كما يتصدر أسباب الوفاة بالسرطان، وهو من أبرز الأورام عالية الخطورة. ووفقاً لإحصاءات أسباب الوفاة لعام 2024 الصادرة عن المركز الوطني لمعلومات السرطان، بلغ عدد المتوفين بسبب سرطان الرئة 19401 شخصاً، ما يمثل 21.8% من إجمالي وفيات السرطان.
لا تظهر على سرطان الرئة في مراحله المبكرة أعراض واضحة، لذلك يُكتشف عدد كبير من الحالات بعد تقدم المرض. غير أن التطورات الأخيرة في التشخيص المبكر وتقنيات العلاج أسهمت في تحسن معدلات البقاء على قيد الحياة بشكل مستمر. وعلى وجه الخصوص، في سرطان الرئة غير صغير الخلايا الذي يشكّل نحو 80~85% من الحالات، أصبحت الاستراتيجيات العلاجية أكثر تفصيلاً تبعاً للطفرات الجينية في الخلايا السرطانية. ومن أبرزها العلاج الذي يستهدف طفرات جين مستقبل عامل نمو البشرة (EGFR).
وخلال الفترة من 12 إلى 15 في سيول، عُقد المؤتمر العالمي لسرطان الرئة (WCLC 2026)، حيث عُرضت نتائج جديدة تخص سرطان الرئة غير صغير الخلايا المصحوب بطفرة EGFR. وجاءت النتائج مدعومة بمتابعة طويلة الأمد لمرضى تلقوا علاجاً موجهاً لـEGFR بعد الجراحة، وأظهرت فائدة على صعيد البقاء.
حتى في سرطان الرئة غير صغير الخلايا المبكر القابل للجراحة، يمكن أن يشكّل تحديد وجود طفرة EGFR معياراً مهماً لتحديد مسار العلاج بعد العملية. فحتى لو أزيل الورم المرئي جراحياً، يبقى احتمال الانتكاس قائماً، ما يجعل تقييم خطر الانتكاس لدى المريض وتحديد الحاجة إلى علاج إضافي خطوة أساسية.
فمتى يمكن أن يحدث الانتكاس بعد الجراحة، وبأي شكل قد يظهر، وكيف يمكن إدارته لتقليل احتماله؟
سألت «كوميدي دوت كوم» البروفيسور كيم سي-هيون، أستاذ طب الأورام الدموية والباطنية في مستشفى بوندانغ التابع لجامعة سيول الوطنية، عن خطر الانتكاس بعد الجراحة والمتابعة، وخيارات العلاج وفق طفرة EGFR وما ينبغي أخذه في الاعتبار.
س: عند تشخيص سرطان الرئة، حتى أي مرحلة يمكن إجراء العلاج الجراحي؟
ج: يُقسَّم سرطان الرئة على نطاق واسع إلى «سرطان الرئة غير صغير الخلايا» و«سرطان الرئة صغير الخلايا» بحسب الشكل الذي تبدو عليه الخلايا السرطانية تحت المجهر. ويشكّل سرطان الرئة غير صغير الخلايا نحو 80~85% من إجمالي حالات سرطان الرئة، ويشمل سرطان الغدة وسرطان الخلايا الحرشفية وغيرها.
تُحدَّد المرحلة بناءً على حجم الورم، ومدى إصابة العقد اللمفاوية، ووجود انتقال إلى أعضاء أخرى من عدمه. وبوجه عام، يمكن التفكير في الجراحة بهدف الشفاء في المرحلتين 1 و2 وبعض حالات المرحلة 3A. غير أن إمكانية الجراحة في المرحلة 3A قد تختلف بحسب موقع الورم ومدى انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في المنصف، وهو الجزء الأوسط من الصدر بين الرئتين، وقد يُلجأ أحياناً إلى العلاج الكيميائي أولاً ثم تُبحث الجراحة لاحقاً. كما أن المرحلة النهائية تُحسم بعد إعادة فحص الورم والعقد اللمفاوية المستأصلة بعد العملية، لذا قد تختلف المرحلة السريرية المتوقعة عبر التصوير قبل الجراحة عن المرحلة المرضية بعد الجراحة.
س: ما هي «طفرة EGFR»؟ وهل يلزم إجراء هذا الفحص الجيني حتى بعد جراحة سرطان الرئة؟
ج: EGFR هو بروتين يشارك في نمو الخلايا وتكاثرها. وعندما تحدث طفرة محددة في جين EGFR، قد تُفعَّل إشارات نمو الخلايا بشكل مفرط، ما يعزز تكاثر الخلايا السرطانية. وتُعد طفرة EGFR واحدة من الطفرات الجينية الرئيسية في سرطان الرئة غير صغير الخلايا، وهي مؤشر حيوي مهم لتحديد مدى ملاءمة العلاج الموجّه لـEGFR.
وتشيع طفرة EGFR خصوصاً لدى المرضى الآسيويين، بما في ذلك كوريا، وتُكتشف نسبياً بشكل أكبر لدى غير المدخنين والنساء. وفي كوريا، تُعد شائعة ضمن سرطان الرئة غير صغير الخلايا، ولا سيما في سرطان الغدة، ومن المعروف أنه يتم تأكيد طفرة EGFR لدى نحو 40% من مرضى سرطان الغدة الرئوي محلياً.
في السابق، كان فحص طفرة EGFR يُجرى أساساً لاختيار الدواء في سرطان الرئة المتقدم أو النقيلي، لكن مع توسع نطاق العلاج الموجّه ليشمل العلاج المساعد بعد الجراحة، أصبح معياراً مهماً لتحديد الاستراتيجية العلاجية حتى في سرطان الرئة المبكر.
س: هل يمكن أن يعود السرطان حتى بعد استئصاله جراحياً؟
ج: «الاستئصال الكامل» في الجراحة يعني إزالة جميع الأورام القابلة للرصد، لكنه لا يعني بالضرورة اختفاء كل الخلايا السرطانية المجهرية غير المرئية. فقد تبقى خلايا سرطانية دقيقة يصعب رصدها عبر التصوير داخل الجسم، ثم تنمو مجدداً مع مرور الوقت وتسبب الانتكاس.
وبالفعل، يمكن أن يحدث الانتكاس حتى في سرطان الرئة المبكر القابل للجراحة، لذلك ينبغي إدارة خطر الانتكاس بشكل مستمر بعد العملية. وعليه، يجب فهم علاج سرطان الرئة المبكر على أنه مسار علاجي لا ينتهي بالجراحة، بل يشمل أيضاً إدارة خطر الانتكاس المحتمل لاحقاً.
س: متى ينبغي الحذر بشكل خاص من خطر الانتكاس بعد جراحة سرطان الرئة؟
ج: يميل الانتكاس بعد الجراحة إلى التركز خلال السنوات الثلاث الأولى، لذا تُعد إدارة الانتكاس في هذه الفترة مهمة. وقد يظهر الانتكاس على شكل عودة موضعية في الرئة التي أُجريت فيها الجراحة أو في العقد اللمفاوية القريبة، كما قد يظهر على شكل انتكاس بعيد ينتشر إلى أعضاء أخرى مثل العظام والكبد والدماغ. وعلى وجه الخصوص، في سرطان الرئة غير صغير الخلايا المصحوب بطفرة EGFR، ينبغي مراقبة احتمال الانتكاس في الجهاز العصبي المركزي (CNS) بما في ذلك الدماغ بعناية، ما يستدعي متابعة منتظمة بحسب حالة المريض.

س: إذا تأكدت طفرة EGFR، ما العلاج الذي يمكن تلقيه بعد الجراحة؟
ج: يُتخذ قرار الحاجة إلى علاج إضافي بعد الجراحة عبر تقييم المرحلة وخطر الانتكاس والحالة الصحية العامة للمريض. ويمكن لمرضى سرطان الرئة غير صغير الخلايا الذين ثبتت لديهم طفرة EGFR التفكير في علاج مساعد باستخدام أدوية العلاج الموجّه لـEGFR لكبح الخلايا السرطانية المجهرية المحتملة وتقليل خطر الانتكاس. ومن أبرز الأمثلة استخدام «تاغريسو» (الاسم العلمي: أوسيميرتينيب) كعلاج مساعد بعد الاستئصال الكامل للورم.
ووفقاً لدراسة ADAURA، وهي تجربة سريرية عالمية من المرحلة الثالثة أُجريت على مرضى سرطان الرئة غير صغير الخلايا في المراحل 1B~3A ممن خضعوا لاستئصال كامل للورم وثبتت لديهم طفرات EGFR الرئيسية، فإن المرضى في المرحلتين 2~3A الذين تناولوا أوسيميرتينيب انخفض لديهم خطر الانتكاس أو الوفاة بنسبة 77% مقارنة بمجموعة الدواء الوهمي. وفي إجمالي مجموعة المرضى من 1B~3A، انخفض الخطر بنسبة 73%، كما انخفض خطر الانتكاس أو الوفاة في الجهاز العصبي المركزي (CNS) لدى مرضى 2~3A بنسبة 76%.
كما لوحظت فائدة على صعيد البقاء في المتابعة طويلة الأمد. ووفق تحليل متابعة لمدة 8 سنوات أُعلن في WCLC 2026، بلغت نسبة البقاء الكلي لمدة 8 سنوات (OS) لدى مرضى 2~3A 74% في مجموعة أوسيميرتينيب مقابل 58% في مجموعة الدواء الوهمي، فيما كان خطر الوفاة في مجموعة أوسيميرتينيب أقل بنسبة 47% مقارنة بالدواء الوهمي. وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة بالنظر إلى أن مدة تناول أوسيميرتينيب تصل إلى 3 سنوات كحد أقصى، ما يعني أن الدراسة تابعت المرضى لفترة طويلة حتى بعد انتهاء العلاج للتحقق من نتائج البقاء.
س: ما الفرق بين العلاج المساعد بعد الجراحة والعلاج بعد الانتكاس؟
ج: يهدف العلاج المساعد بعد الجراحة إلى كبح الخلايا السرطانية المجهرية المحتملة بعد إزالة الورم المرئي، لتقليل خطر الانتكاس. أما العلاج بعد الانتكاس فيركز على كبح تقدم المرض عبر استهداف السرطان الذي عاد للظهور.
وعلى وجه الخصوص، إذا انتكس سرطان الرئة غير صغير الخلايا المصحوب بطفرة EGFR في أعضاء أخرى مثل الدماغ أو العظام أو الكبد، فقد يواجه المريض صعوبات في الحياة اليومية بسبب أعراض الانتقال. وبعد الانتكاس أيضاً يمكن اختيار طرق علاجية تشمل العلاج الموجّه وفق طفرة EGFR وسجل العلاجات السابقة، لكن بعد الجراحة ينبغي كذلك مراجعة ما إذا كان المريض بحاجة إلى علاج مساعد لتقليل خطر الانتكاس.

وشدد البروفيسور كيم على أنه «من المهم الحصول على شرح وافٍ من الفريق الطبي حول الفوائد المتوقعة من العلاج وآثاره الجانبية، ومدة العلاج والظروف الواقعية».
وأضاف أن أوسيميرتينيب علاج يُتناول لفترة طويلة، وفي الوقت الراهن لا يغطي التأمين الصحي في كوريا تكاليفه كعلاج مساعد بعد الجراحة، ما قد يرفع العبء المالي على المريض.
وقال البروفيسور كيم: «الوقت الذي يمضيه المريض دون انتكاس لا يتجاوز كونه نتيجة علاجية، بل يحمل أيضاً معنى مهماً للعودة إلى العمل والأسرة والحفاظ على الحياة اليومية»، مضيفاً: «وبما أن خطر الانتكاس والحالة الصحية والظروف الاقتصادية تختلف من مريض لآخر، ينبغي فهم فاعلية العلاج وعبئه بشكل كافٍ ثم اتخاذ القرار بشأن العلاج الأنسب بالتشاور مع الفريق الطبي».
