كثرة دخول الحمّام وألم أسفل البطن… باحثون يحددون «شبكة إشارات خلوية» لالتهاب المثانة الخلالي

| إدخال:

مستشفى سامسونغ سيول يحلل جدار المثانة كامل السماكة لدى 8 مرضى من النوع الشديد «هونر»… وتحديد مرشحين لأهداف علاجية

امرأة مستلقية على أريكة تمسك أسفل بطنها وتتحمّل الألم. يتميّز التهاب المثانة الخلالي بتفاقم الألم أو الإحساس بالضغط في منطقة المثانة أثناء امتلائها بالبول، وقد تظهر أعراض مثل كثرة التبوّل أو صعوبة حبس البول. الصورة=غيتي إيميجز بنك

ألم حادّ يشبه الوخز في الحوض، وزيارات للحمّام عشرات المرات حتى في اليوم الواحد. وكلما امتلأت المثانة بالبول اشتدّ الألم، ثم يخفّ قليلًا بعد دخول الحمّام؛ وهذه من سمات التهاب المثانة الخلالي.

لكن الفحوصات لا تُظهر غالبًا أي خلل واضح. وكثير من المرضى يُنهكهم التنقّل بين المستشفيات بسبب هذه الأعراض. وفي ظلّ مرض ظلّت أسبابه غير محسومة ولم تتوافر له وسائل فعّالة للتعامل معه، حدّد باحثون كوريون شبكة إشارات بين الخلايا.

وقال مستشفى سامسونغ سيول، في 16 من الشهر الجاري، إن فريقًا بحثيًا بقيادة أستاذَي طب المسالك البولية كانغ مين-يونغ وغو غوانغ-جين تأكّد من وجود شبكة إشارات خلوية مرتبطة بحدوث التهاب المثانة الخلالي (متلازمة ألم المثانة). ونُشرت الدراسة في 3 يوليو في الدورية العلمية الدولية 〈Experimental & Molecular Medicine〉.

لماذا يصعب حبس البول… ولماذا يصعب أيضًا عدم حبسه؟

التهاب المثانة الخلالي مرض ينشأ عندما تتضرر الطبقة الداخلية لجدار المثانة ويستمر الالتهاب لفترة طويلة. يسبّب ألمًا شديدًا في الحوض، وكثرة التبوّل، وصعوبة في حبس البول. ويُعدّ من أبرز الأمراض المستعصية.

ولم يكن معروفًا بدقة حتى الآن لماذا ينشأ هذا المرض. ولهذا لم تتوافر علاجات جذرية. كما أن الأعراض تختلف من مريض إلى آخر، ما جعل العلاج أكثر صعوبة.

وكانت المشكلة في طريقة التشخيص. فقد صنّفت الدراسات السابقة المرض اعتمادًا على الآفات المرئية بالمنظار فقط. لكنها لم تستطع تفسير لماذا وكيف تُحدث كل خلية المرض.

ومن هم المرضى الذين ركّزت عليهم الدراسة؟ شملت العيّنة 8 مرضى في حالة شديدة لم تتحسن أعراضهم رغم تكرار العلاج بالمنظار، فخضعوا في النهاية لجراحة استئصال المثانة وتكبيرها. وكان جميعهم من مرضى «نوع هونر» الذين تأكدت لديهم في تنظير المثانة آفات تبدو كالقروح تُعرف باسم «آفة هونر». وبشكل منفصل، حصل الفريق على نسيج مثانة طبيعي من شخصين خضعا لجراحة في الحوض لأسباب أخرى، لاستخدامه كمجموعة ضابطة.

ومن بين المرضى الثمانية، أُزيلت لدى 5 منهم أثناء الجراحة آفة هونر ومنطقة أخرى تبدو سليمة داخل المثانة نفسها، لمقارنتها على نحو مزدوج. أما المرضى الثلاثة الآخرون فتم الحصول منهم على نسيج آفة هونر فقط. لذلك لا يمكن تطبيق نتائج هذه الدراسة كما هي على جميع مرضى التهاب المثانة الخلالي، لأنها شبكة إشارات خلوية تم التحقق منها في أنسجة مرضى «هونر» الشديدين الذين اضطروا إلى الخضوع للجراحة.

غرافيك من ورقة بحثية حول دراسة حدوث التهاب المثانة الخلالي (متلازمة ألم المثانة) الصورة=مستشفى سامسونغ سيول

تأكيد «شبكة متعددة الخلايا» تتبادل الإشارات فيما بينها

غيّر الفريق البحثي منهج التحليل. فبدلًا من أخذ جزء صغير من الغشاء المخاطي كما في السابق، استأصلوا جدار المثانة حتى طبقاته الداخلية دفعة واحدة. ويُطلق على هذا النوع من الأنسجة اسم نسيج «كامل السماكة (全層)». وهو أكثر تدقيقًا بكثير من الدراسات السابقة التي اكتفت بأخذ جزء بسيط من المخاطية.

وأضاف الفريق تقنيتين حديثتين. الأولى تقنية «الترانسكريبتوم أحادي الخلية» لقراءة الجينات في كل خلية على حدة. والثانية تقنية «الترانسكريبتوم المكاني عالي الدقة» لتحديد موقع الخلايا داخل النسيج. غير أن تحليل الترانسكريبتوم المكاني الذي أُجري للمرة الأولى واجه مشكلة في جودة بعض العينات، ما قلّل عدد العينات المستخدمة فعليًا في التحليل.

وأظهرت النتائج أن خلايا نسيج المثانة تتبادل الإشارات فيما بينها. وكانت شبكة «متعددة الخلايا» معقدة تتشابك فيها ثلاثة أنواع من الخلايا وتتبادل الإشارات: خلايا السدى التي تكوّن النسيج الضام، والخلايا المناعية التي تحمي الجسم، وخلايا الأوعية الدموية التي تكوّن الأوعية.

وفي منطقة الآفة، تبيّن ازدياد خلايا مناعية تقود الالتهاب تُعرف باسم «خلايا Th17». أما «البلعميات M2»، وهي نوع من البلعميات يساهم في تكوين أوعية دموية جديدة، فلم يبدُ أنها ازدادت عددًا بقدر ما تغيّرت خصائصها باتجاه تعزيز نمو الأوعية.

وبالتزامن مع تغيّر هاتين الخليتين، تغيّر أيضًا نمط التعبير الجيني في خلايا الأوعية الدموية. كما تأكد أن مسار نقل الإشارات بين خلايا الأوعية الدموية والخلايا العضلية أصبح أقوى. ورأى الفريق أن هذه التغيرات قد تكون مرتبطة بظاهرة الانقباض المفرط لعضلات المثانة.

وسبق أن تناولت دراسات التهاب المثانة الخلالي على مستوى الخلية. لكن معظم الدراسات السابقة المعتمدة على الخلية الواحدة لم تقارن بشكل مزدوج بين آفة هونر ومنطقة تبدو طبيعية في مثانة المريض نفسه. كما ندر وجود أبحاث حللت في وقت واحد الاستجابة المناعية الذاتية وتغيرات الأوعية الدموية وانقباض العضلات وإشارات الألم.

وقارنت هذه الدراسة بين منطقتين لدى المريض نفسه. وبذلك أمكن تقليل تأثير الخصائص المختلفة بين المرضى وتتبع التغيرات الخلوية المرتبطة بتفاقم الآفة.

لا خلل عصبي… فلماذا كان الألم شديدًا إلى هذا الحد؟

لا تظهر لدى مرضى التهاب المثانة الخلالي اضطرابات خاصة في الجهاز العصبي. ومع ذلك ظلوا يشكون من ألم مزمن شديد. وقدمت هذه الدراسة خيطًا يفسر السبب.

فقد تبيّن أن مسارات إشارات شبيهة بالخلايا العصبية تنشط بقوة داخل مجموعة محددة من الخلايا الليفية في المثانة. وأظهرت هذه الخلايا أنها تتبادل الإشارات باستمرار مع الخلايا العضلية. وطرح الفريق احتمال أن يكون هذا التفاعل قد ساهم في تضخيم الألم.

الصورة=مستشفى سامسونغ سيول

وقال الأستاذ غو غوانغ-جين: «لهذه الدراسة أهمية كبيرة لأنها حللت مرض التهاب المثانة الخلالي بصورة منهجية على المستوى الخلوي، وأثبتت مباشرة من أنسجة المرضى أن الشبكة العضوية بين الخلايا سبب مهم في حدوث المرض»، مضيفًا: «ستكون حجر أساس مهمًا لاكتشاف أهداف علاجية جديدة مستقبلًا».

ورأى الأستاذ كانغ مين-يونغ أن هذه النتائج تمثل نقطة انطلاق لتطوير علاجات. وقال: «بدمج أحدث تقنيات الجينوم رسمنا بصورة تخطيطية، كخريطة، البيئة الميكروية داخل مثانة مرضى التهاب المثانة الخلالي»، وأضاف: «وبما أننا حددنا خلايا ومسارات إشارات بعينها تسبب فرط انقباض المثانة وألم الحوض، نتوقع أن يقود ذلك مستقبلًا إلى تطوير علاج جذري يقطع السبب لدى مرضى التهاب المثانة الخلالي المستعصي».

تم تحديد مرشحين لأهداف علاجية… لكن الطريق لا يزال طويلًا

تلقت الدراسة دعمًا من تمويل أبحاث وطني من وزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والمؤسسة الوطنية للأبحاث في كوريا، ووزارة الصحة والرعاية الاجتماعية، والمعهد الكوري لتطوير صناعة الصحة، ووزارة التجارة والصناعة والطاقة.

لكن هناك قيودًا. فأنسجة المثانة كاملة السماكة لا يمكن الحصول عليها إلا عبر الجراحة، ما يجعل جمعها صعبًا. ولهذا لم يكن عدد المرضى المستخدمين في التحليل كبيرًا، ولا سيما عدد المجموعة الضابطة الطبيعية. كما لم تُكتشف الخلايا العصبية نفسها التي تنقل إشارات الألم داخل النسيج، لذلك لم يتمكن الفريق من تتبع آلية الألم مباشرة حتى مستوى الخلايا العصبية.

ومع إدراك الفريق لهذه القيود، أعاد التحقق من النتائج الرئيسية باستخدام بيانات ترانسكريبتوم مكاني عالي الدقة لثلاثة مرضى وثلاثة من المجموعة الضابطة تم الحصول عليها بشكل منفصل، إلى جانب بيانات مرضى أخرى منشورة. غير أن جميع النتائج لم تُستنسخ بالطريقة نفسها. إذ لم تُظهر إشارات الجينات المرتبطة بالألم فروقًا واضحة إحصائيًا في بعض مجموعات البيانات الخارجية.

وتُطرح قيود أخرى أيضًا. فقد جاءت هذه النتائج من دراسة رصدية تتبعت التعبير الجيني للخلايا وإشارات التواصل بين الخلايا. ولم تختبر الدراسة عبر تجارب خلوية أو على الحيوانات ما إذا كان حجب إشارة «EDN1» أو إشارات الخلايا الليفية التي تضخم الألم سيقلل بالفعل من انقباض المثانة أو الألم. وترك الفريق ذلك كمهمة للمرحلة التالية. ولذلك لا تزال هناك مراحل كثيرة يجب تجاوزها قبل تطوير دواء.

ومع ذلك، من الواضح أنه أضيف مرشح محدد آخر يوضح أين يمكن توجيه الاستهداف لفهم حقيقة الألم الذي ظل يُعدّ طويلًا «مجهول السبب». فالهدف يتمثل في: خلايا Th17 التي تقود الالتهاب، والبلعميات التي تنمّي الأوعية الدموية بشكل غير طبيعي، وإشارة EDN1 التي تسبب انقباض العضلات، والإشارات الشبيهة بالعصب في الخلايا الليفية التي تضخم الألم. وبالنسبة للمرضى الذين تحملوا الألم طويلًا دون حلول واضحة، فإن ظهور هذه المرشحات الأربعة بحد ذاته خبر مُطمئن.

×