
هناك سرطان نادر ينشأ في جدار المعدة أو الأمعاء يُعرف باسم الورم السدوي المعدي المعوي (GIST).
قبل 20 عاماً، غيّر «غليفيك» قواعد اللعبة، لكن مسار العلاج بعد ذلك لم يشهد تحوّلاً كبيراً. ومع مرور الوقت تتكوّن مقاومة تجاه «غليفيك»، فيما بقيت فعالية العلاجات اللاحقة محدودة.
غير أن المشهد بدا مختلفاً في الاجتماع السنوي للجمعية الأميركية لعلم الأورام السريري (ASCO 2026)، الذي عُقد في شيكاغو بالولايات المتحدة من 29 مايو إلى 2 يونيو. فقد عرضت أدوية من الجيل التالي، تسعى لأن تكون «غليفيك» الثاني، بياناتها تباعاً. وترتفع التوقعات بإمكان تغيّر محور علاج GIST بعد 20 عاماً.
دواء غيّر المشهد قبل 20 عاماً
يُعد «غليفيك»، الذي طرحته نوفارتس عام 2001، دواءً ترك بصمة واضحة في تاريخ صناعة الأدوية. حصل على الترخيص أساساً لعلاج ابيضاض الدم النقوي المزمن (CML)، ثم اتسع نطاق استخدامه بعد تأكيد فعاليته أيضاً في GIST. وباعتباره من أوائل العلاجات الموجّهة التي نجحت في تعطيل طفرات جينية محددة تُسبب السرطان بدقة، حظي بتقييم واسع بأنه فتح عصراً جديداً في علاج الأورام.
وينطبق ذلك حتى على CML. فقد كان المرض يتدهور سريعاً بعد التشخيص، لكن بعد «غليفيك» أصبح بالإمكان التعامل معه كحالة مزمنة قابلة للإدارة. وقفز معدل البقاء لخمس سنوات من نحو 30% في أوائل تسعينيات القرن الماضي إلى أكثر من 90%.
وفي ذروة نجاحه عام 2015، بلغت المبيعات السنوية العالمية نحو 4.7 مليارات دولار، أي ما يعادل نحو 6 تريليونات وون. ورغم تراجع المبيعات بشكل حاد مع انتهاء براءات الاختراع في الأسواق الرئيسية تقريباً في حدود عام 2015 وتدفّق الأدوية الجنيسة، لا يزال يُستشهد به حتى اليوم بوصفه الدواء الذي دشّن عصر الطب الدقيق.
لماذا يتوقف الدواء عن العمل؟
يُعد GIST سرطاناً نادراً. إذ يُسجَّل عالمياً بمعدل 10 إلى 20 حالة سنوياً لكل مليون شخص، وفي الولايات المتحدة يُشخَّص سنوياً لدى 4000 إلى 6000 شخص.
وبحسب مجموعة أبحاث الورم السدوي المعدي المعوي الكورية، يُقدَّر ظهور 500 إلى 1000 مريض جديد سنوياً في كوريا.
وهو سرطان ينشأ في الطبقة العضلية من جدار القناة الهضمية، وليس في الغشاء المخاطي كما في سرطان المعدة أو القولون، لذلك تختلف طرق علاجه.
وتُعد طفرات جين KIT سبباً لدى نسبة كبيرة من المرضى. وKIT هو الجين الذي يصنع بروتيناً (c-KIT) ينظم إشارات نمو الخلايا، وعندما يطرأ خلل عليه تتكاثر الخلايا السرطانية بلا ضابط. وإذا لم يكن هناك انتقال، يمكن استئصاله جراحياً، لكن عندما ينتشر السرطان أو ينتكس تصبح المعالجة الدوائية حاسمة.
وتبدّل المسار مع ظهور «غليفيك» في مطلع الألفية. ففي عام 2002 حصل على الترخيص كعلاج للـGIST النقيلي، واضعاً أساس العلاج القياسي. وبعد ذلك، ترسخ «سوتِنت» (سونيتينيب) من فايزر كعلاج خط ثانٍ في 2006، و«ستيفارغا» (ريغورافينيب) من باير كمعيار للخط الثالث في 2013.
الخط الأول هو الدواء الذي يُستخدم أولاً، والخط الثاني يُستخدم عندما يتوقف الأول عن العمل، والخط الثالث هو المرحلة التالية. وكلما تقدّم الخط العلاجي تقل الخيارات.
وغالباً ما تفرض المقاومة تغيير الدواء. فـ«غليفيك» يثبط KIT بقوة، لكن مع مرور الوقت تُحدث الخلايا السرطانية طفرات جديدة في KIT فتضعف فعالية الدواء. وعندها لم يكن هناك خيار سوى الانتقال إلى علاج تالٍ.
يستهدف حتى السرطان الذي اكتسب مقاومة
في هذا السياق، قدّمت شركة الأدوية البريطانية GSK خلال المؤتمر دواء «بيلزوتيف» بوصفه علاجاً من الجيل التالي يستهدف هذه الفجوة تحديداً. فهو دواء جديد صُمم لكبح طفرات المقاومة التي تظهر حديثاً أثناء استخدام «غليفيك» و«سوتِنت». طوّرته شركة التكنولوجيا الحيوية IDRx في بوسطن بالولايات المتحدة، وحصلت عليه GSK بعد الاستحواذ على الشركة في يناير 2025 بصفقة تقارب 1 مليار دولار.
وتُظهر نتائج المرحلة السريرية المبكرة أن حجم الورم انخفض بشكل ذي دلالة لدى 61% من مرضى مجموعة الخط الأول. وفي 49 مريضاً تلقوا علاج الخط الثاني، تقلص الورم لدى 38%. وبالنظر إلى أن معدل الاستجابة لـ«سوتِنت» كعلاج خط ثانٍ يكون عادة في حدود 10%، فإن الفارق لافت. أما المرضى الذين تلقوا علاجاً من الخط الثاني أو أعلى، فبلغ الوسيط لمدة عدم تفاقم السرطان نحو 17 شهراً.
ويُضاف إلى ذلك عامل الدقة. إذ إن «سوتِنت» يعمل على عدة أهداف إلى جانب KIT، ما يرفع عبء الآثار الجانبية. ويُتوقع أن يقلل «بيلزوتيف» الآثار الجانبية عبر تركيزه على طفرات KIT وحدها.
بدء سباق ترخيص إدارة الغذاء والدواء الأميركية والعلاج القياسي
كما أعلنت GSK عن تجربة سريرية من المرحلة الثالثة بعنوان «StrateGIST 3» تقارن مباشرة بين «بيلزوتيف» و«سوتِنت» لدى المرضى الذين ظهرت لديهم مقاومة بعد علاج «غليفيك». وتستعد أيضاً لإطلاق تجربة مرحلة ثالثة للخط الأول تضع «بيلزوتيف» في مواجهة مباشرة مع «غليفيك» لدى المرضى المشخّصين حديثاً. والهدف هو إعادة كتابة قواعد علاج GIST كما فعل «غليفيك» قبل أكثر من 20 عاماً.
في المقابل، عرضت شركة التكنولوجيا الحيوية الأميركية كوجنت بيوساينسز في المؤتمر بيانات المرحلة الثالثة الكاملة لمثبط KIT آخر هو «بيزوكلاستينيب». وكانت كوجنت قد حصلت على ترخيص «بيزوكلاستينيب» من شركة التكنولوجيا الحيوية الأميركية فليكسيكون (التي أصبحت حالياً ضمن مجموعة داييتشي سانكيو اليابانية)، وتولت تطويره وإجراء تجاربه السريرية. وأظهرت النتائج أنه لدى المرضى الذين اكتسبوا مقاومة لـ«غليفيك»، أدى استخدام «بيزوكلاستينيب» مع «سوتِنت» إلى وسيط مدة عدم تفاقم السرطان بلغ 16.5 شهراً، أي أطول بأكثر من 7 أشهر مقارنة بمجموعة «سوتِنت» وحده التي سجلت 9.2 أشهر.
وتختلف استراتيجية الدواءين. فـ«بيزوكلاستينيب» يستهدف طفرات KIT محددة، لذلك يحتاج إلى استخدامه مع دواء آخر لكبح عدة طفرات في وقت واحد. أما «بيلزوتيف» فيتجه إلى استهداف نطاق أوسع من طفرات KIT بدواء واحد.
أما «كوينلوك» من شركة التكنولوجيا الحيوية الأميركية ديسايفيرا فارماسوتيكالز (التي أصبحت حالياً شركة تابعة لأونو فارماسوتيكال اليابانية)، فلم يثبت أنه أفضل من «سوتِنت» في علاج الخط الثاني. غير أن إمكاناته ظهرت لدى بعض فئات المرضى، ما يدفع إلى البحث عن تطوير إضافي.
وبالنسبة لمرضى هذا السرطان النادر الذين لم يتغير لديهم ترتيب العلاجات كثيراً منذ «غليفيك» لأكثر من 20 عاماً، بدأت للمرة الأولى تلوح إمكانية تغيير العلاج القياسي نفسه. ولا تزال نتائج المرحلة الثالثة واسعة النطاق والتحقق من السلامة على المدى الطويل مطلوبة، لكن مركز الثقل يتحرك بالفعل.
