
"اشربوا موية كثير."
هذه عبارة يسمعها مرضى حصوات المسالك البولية تقريبًا بدون استثناء عند خروجهم من المستشفى.
لكن دراسة واسعة أُجريت في الولايات المتحدة كشفت نتائج تخالف الشائع.
إذ لم يظهر تقريبًا أي فرق في معدلات تكرار حصوات المسالك البولية بين مجموعة تم فيها ضبط شرب الماء بشكل نشط باستخدام قوارير ماء ذكية ومكافآت نقدية، وبين مجموعة تلقت توصيات عامة فقط.
وهذا يعني أن الاكتفاء بالنصيحة المتداولة منذ زمن «اشرب موية كثير» قد لا يكون كافيًا لمنع تكرار حصوات المسالك البولية.
حتى مع قارورة موية ذكية ومكافآت مالية
قسّم فريق البحث المرضى الذين عانوا مؤخرًا من حصوات المسالك البولية إلى مجموعتين. تلقت إحدى المجموعتين إرشادات عامة فقط بشرب كمية كافية من الماء كما هو معتاد. أما المجموعة الأخرى فتم تزويدها بقارورة ماء ذكية تعمل بالبلوتوث لتتبع كمية الشرب لحظيًا، وأهداف ترطيب مخصصة لكل شخص، ورسائل تذكير نصية، ومكافآت نقدية، إضافة إلى إرشاد صحي (Health Coaching).
بعد 6 أشهر من التدخل، كان متوسط حجم البول خلال 24 ساعة لدى مجموعة الدعم المكثف أعلى بنحو 600 مل يوميًا مقارنة بمجموعة التوصيات العامة فقط. ومع ذلك، لم تُظهر معدلات تكرار حصوات المسالك البولية المصحوبة بألم أو بيلة دموية أو زيارات لقسم الطوارئ فرقًا كبيرًا: 18.6% في مجموعة الدعم المكثف مقابل 19.8% في مجموعة التوصيات العامة.
أشرف على هذه الدراسة تشارلز سكيلز، الأستاذ المشارك في قسم طب المسالك البولية وصحة السكان بجامعة ديوك. وقد موّل المعهد الوطني للسكري وأمراض الجهاز الهضمي والكلى (NIDDK) التابع للمعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة الدراسة، وتمت متابعة 1658 مريضًا بمتوسط عمر 51 عامًا لمدة سنتين في 6 مراكز سريرية رئيسية داخل الولايات المتحدة. أُجريت الدراسة بصيغة تجربة PUSH (Prevention of Urinary Stones with Hydration·الوقاية من حصوات المسالك البولية عبر الترطيب الكافي). ونُشرت النتائج مؤخرًا في المجلة العلمية الدولية 《ذا لانسيت (The Lancet)》.
وفي الوقت نفسه، أظهرت الدراسة أيضًا أن الحفاظ على عادة شرب كميات كافية من الماء على المدى الطويل ليس سهلًا في الواقع كما قد يبدو. فحتى لو كان من السهل شرب كميات كبيرة من الكحول أو المشروبات الغازية، فإن الالتزام بشرب الماء العادي طوال اليوم ليس بالأمر السهل. إذ يتطلب الماء الاستمرار في شربه بوعي حتى دون الشعور بالعطش، وقد يربك إيقاع الحياة اليومية؛ لذلك يرى كثيرون أن الاستمرار على هذه العادة لفترة طويلة أمر صعب.
وقال البروفيسور سكيلز: "على الرغم من أهمية تناول السوائل، فإن الحفاظ على مستوى مرتفع منها لفترة طويلة أصعب بكثير مما نعتقد عادة".
في كوريا الجنوبية، زار نحو 336 ألف شخص المستشفيات بسبب حصوات المسالك البولية حتى عام 2024. ويعاني نصف المرضى من تكرار الحصوات خلال 5 سنوات. ومع زيادة التعرّق يتركّز البول، ما يجعل مكوّنات الحصوات تتجمع بسهولة أكبر؛ لذلك مع بدايات ارتفاع درجات الحرارة في أوائل الصيف يزداد عدد المرضى الذين يراجعون أقسام الطوارئ بشكل ملحوظ.
وتوقعت هيئة الأرصاد الجوية أن تسجل المناطق الوسطى يومي 16 و17 أعلى درجات حرارة نهارية تتراوح بين 26 و29 درجة مئوية.
توصية «2.5 لتر يوميًا» ما تم اختبارها على نطاق واسع
حاليًا توصي إرشادات الجمعية الأمريكية للمسالك البولية (AUA) والجمعية الأوروبية للمسالك البولية (EAU) الأشخاص الذين سبق لهم الإصابة بحصوات المسالك البولية بالحفاظ على حجم بول يومي لا يقل عن 2.5 لتر. أما عامة الناس فتُقدَّم لهم غالبًا نصائح عامة مثل تجنب الجفاف وتعويض السوائل بشكل كافٍ في الأيام الحارة. بمعنى أن «حجم بول يومي 2.5 لتر» ليس قاعدة صحية عامة بقدر ما هو استراتيجية للوقاية من تكرار الحصوات لدى من لديهم تاريخ مرضي معها.
لكن التجربة السريرية التي كانت تسند هذه التوصية كانت عمليًا دراسة واحدة فقط: دراسة شملت 199 شخصًا نشرها فريق بورغي من جامعة بارما في إيطاليا عام 1996. وقد صنّفت مراجعة كوكرين (Cochrane Review·شبكة بحث دولية تُجري مراجعات منهجية للأدلة الطبية) هذه الدراسة ضمن «أدلة منخفضة الجودة» بسبب عدم كفاية إخفاء التخصيص والتعمية (التعمية/العمى) وغيرها.
وبذلك تكون توصية «2.5 لتر من الماء» المستمرة منذ عقود قد اعتمدت على أدلة محدودة.
الموية لحالها ما تكفي… استراتيجيات واقعية لتقليل تكرار الحصوات
النقاط الأساسية التي توصي بها الإرشادات الأمريكية والأوروبية والمستشفيات الكبرى في كوريا الجنوبية ما تقتصر على الماء فقط. فقد ذكر فريق بحث من قسم طب المسالك البولية بكلية الطب في جامعة يونسي ومستشفى سانبون التابع لجامعة وونكوانغ، في توصيات منشورة في مجلة الجمعية الطبية الكورية، أن "جميع مرضى حصوات المسالك البولية ينبغي أن يجمعوا بين تناول السوائل وتقييد الصوديوم والبروتين الحيواني، مع الحفاظ على نظام غذائي طبيعي من الكالسيوم".
ومن بين التوصيات المختلفة، تُعدّ العادة الغذائية بتقليل الملح مهمة. فزيادة تناول الصوديوم ترفع كمية الكالسيوم المطروحة في البول، ما قد يؤدي إلى تكوّن الحصوات. وينطبق ذلك على الأطعمة المالحة مثل الرامن والأطباق ذات المرق. كما توصي الجمعية الأمريكية للمسالك البولية بخفض تناول الصوديوم اليومي إلى مستوى 2000–3000 ملغ.
كما أن الإفراط في البروتين الحيواني يشكل عبئًا. فالإكثار من تناول اللحوم والمأكولات البحرية قد يجعل البول أكثر حموضة ويزيد طرح حمض اليوريك، ما قد يرفع احتمال تشكّل الحصوات مجددًا. وقد ترتبط العادات الغذائية الصيفية المعتمدة على اللحم والبيرة بزيادة خطر حصوات حمض اليوريك.
أما الكالسيوم فلا ينبغي تقليله بل على العكس. فمن السهل الاعتقاد بأن الكالسيوم هو المكوّن الرئيسي للحصوات لذا يجب تقليل تناوله، لكن الإرشادات تقول عكس ذلك. فالكالسيوم المتناول عبر الطعام يرتبط بالأوكسالات في الأمعاء، ما يقلل كمية الأوكسالات التي تُمتص وتصل إلى الكلى. ومن الأفضل الحفاظ على تناول يومي قدره 1000–1200 ملغ من الكالسيوم عبر منتجات الألبان والتوفو والخضروات الورقية الخضراء. ومع ذلك، أفادت بعض الدراسات بأن مكملات الكالسيوم قد تزيد احتمال تكوّن الحصوات. لذا يُستحسن اتخاذ قرار تناولها وفق الحالة الفردية.
وإذا تكرر الانتكاس، فيمكن أيضًا التفكير في العلاج الدوائي. تُستخدم أدوية مثل سترات البوتاسيوم (لقلونة البول)، ومدرات البول من فئة الثيازيد (لتقليل كالسيوم البول)، وألوبيورينول (لتثبيط حمض اليوريك لدى من لديهم فرط حمض اليوريك) بحسب نوع الحصوات ونتائج الفحوصات الاستقلابية.
إن تكرار حصوات المسالك البولية ليس مشكلة يمكن منعها بمجرد شرب موية كثير. بل يجب الاستمرار على إدارة الغذاء ونمط الحياة، ومع العلاج الدوائي عند الحاجة.
