
محمد إل كيتاني (64 عاماً)، وهو من أصول مغربية ويحمل الجنسيتين الفرنسية والمغربية، تلقّى تقييماً يفيد بأن إجراء زراعة كبد له في فرنسا بات صعباً. عندها بدأ ابنه الثاني عمر إل كيتاني (30 عاماً)، الذي يعمل جرّاح قلب في فرنسا، البحث عن مراكز زراعة الكبد في مختلف دول العالم. وبعد مراجعة الأبحاث والخبرات الجراحية، اختار مع شقيقه مستشفى سيؤول أسان في كوريا.
كان الأب يعاني فشلاً كبدياً في مرحلته النهائية، إضافة إلى سرطان كبد متقدّم. كما أن وزنه كان يقترب من 135 كغ، ما جعل تأمين الحجم المطلوب من كبد متبرّع واحد أمراً صعباً. وفي النهاية تقرر إجراء «زراعة كبد حيّة 2 إلى 1» يتبرّع فيها الابنان كلٌ بجزء من كبده.
وقال فريق زراعة الكبد في مركز زراعة الأعضاء بمستشفى سيؤول أسان، يوم 30، إنه أجرى لمحمد زراعة كبد حيّة 2 إلى 1 عبر زرع جزء من كبد كل من ابنيه، وذلك في 22 مايو الماضي. وخضع الثلاثة للجراحة في الوقت نفسه داخل غرف عمليات مختلفة. وانتهت العملية خلال 17 ساعة، وتعافى الجميع بسلاسة.
كبد متبرّع واحد لم يكن كافياً… لماذا تدخّل الابنان
في زراعة الكبد من متبرّع حي، لا تقل أهمية ترك كمية آمنة من الكبد لدى المتبرّع عن أهمية توفير كبد بحجم كافٍ للمريض.
الكبد ينمو مجدداً بعد استئصال جزء منه. لكن إذا كان الجزء المتبقي لدى المتبرّع صغيراً جداً، يرتفع خطر تراجع وظائف الكبد بعد الجراحة. وعلى العكس، إذا كان الكبد المزروع صغيراً جداً مقارنة ببنية المريض، فقد لا يتمكن من أداء الوظائف التي يحتاجها الجسم بشكل كافٍ.
وتُستخدم زراعة الكبد الحيّة 2 إلى 1 في مثل هذه الحالات. إذ يُؤخذ من كل متبرّع مقدار يمكن استئصاله بأمان، ثم تُزرع الأجزاء معاً لمريض واحد.
وبالنسبة لمرضى ذوي بنية كبيرة مثل محمد، قد يكون من الصعب الحصول على كمية كبد كافية من متبرّع واحد. وقرر الفريق الطبي أخذ الفص الأيسر من كبد الابن الأكبر هاشم إل كيتاني (33 عاماً)، وأخذ الفص الأيمن من كبد الابن الثاني عمر، ثم زرعهما للأب.
16 زراعة كبد حيّة في فرنسا… جميعها لمرضى أطفال
لماذا اصطحب عمر والده إلى كوريا التي تبعد نحو 10 آلاف كيلومتر؟
فرنسا ليست دولة متأخرة في زراعة الكبد بحد ذاتها. ووفق الإحصاءات الرسمية لعام 2024 الصادرة عن وكالة الطب الحيوي التابعة للحكومة الفرنسية، بلغ معدل زراعة الكبد في ذلك العام 21.2 حالة لكل مليون نسمة.
لكن الصورة تختلف في زراعة الكبد من متبرّع حي، حيث يُستأصل جزء من كبد شخص حي للتبرع به. ففي عام 2024، سُجلت في فرنسا 16 عملية زراعة كبد من متبرّع حي. وكانت جميعها حالات زرع الفص الأيسر من كبد المتبرّع لمرضى أطفال. ووفق الإحصاءات الرسمية، لم تُسجل أي زراعة كبد حيّة للبالغين في ذلك العام.
ومنذ عام 1998 وحتى نهاية عام 2024، بلغ إجمالي عمليات زراعة الكبد الحيّة المنفذة في فرنسا 622 عملية.
أما عمليات زراعة الكبد الحيّة 2 إلى 1 التي أُجريت في مستشفى سيؤول أسان وحده، فقد بلغت 664 حالة حتى هذه العملية. وهو سجل تراكم منذ أن ابتكر الأستاذ الفخري لي سونغ-غيو، أستاذ زراعة الكبد وجراحة الكبد والقنوات الصفراوية في مستشفى سيؤول أسان، هذه التقنية لأول مرة في العالم عام 2000.
وتجربة مستشفى سيؤول أسان الإجمالية في زراعة الكبد الحيّة أكبر من ذلك. فعندما حقق المستشفى في أبريل 2025 إجمالي 9000 عملية زراعة كبد تراكمية، كان منها 7502 زراعة كبد من متبرّع حي و1498 زراعة كبد من متبرّع متوفى دماغياً.
ولا يمكن المقارنة ببساطة بين 622 عملية زراعة كبد حيّة في فرنسا خلال 27 عاماً وبين 664 عملية زراعة كبد حيّة 2 إلى 1 في مستشفى سيؤول أسان وحده، لاختلاف فترة الإحصاء ونطاق العمليات. غير أن الأرقام تُظهر حجم الخبرة المتراكمة لدى مستشفى سيؤول أسان في زراعة الكبد الحيّة عالية التعقيد للبالغين.
سرطان الكبد امتد إلى الوريد البابي… وفي فرنسا استُبعد من قائمة الزراعة
بدأ محمد يعاني التهاب الكبد الوبائي من النوع C قبل نحو 20 عاماً. وقبل 10 أعوام عولج الالتهاب نفسه بأدوية جديدة، لكن الضرر الكبدي كان قد تقدم كثيراً، وبقي لديه تليّف كبدي وفشل كبدي.
وخلال فحوص تسجيله على قائمة انتظار زراعة الكبد في فرنسا أواخر عام 2025، اكتُشف أيضاً سرطان في الكبد. وعولج الورم الذي اكتُشف أولاً عبر الانصمام، لكن في فحص المتابعة خلال فبراير من هذا العام ظهر ورم جديد بحجم 6 سم. كما غزا السرطان الوريد البابي، وهو وعاء دموي كبير يدخل عبره الدم القادم من الأمعاء وغيرها إلى الكبد.
وعندما ينتشر سرطان الكبد إلى الوريد البابي، يرتفع خطر عودة المرض بعد الزراعة، ما يجعل اختيار المرضى أكثر صعوبة بكثير. واعتبر الفريق الطبي في فرنسا أن زراعة الكبد ستكون صعبة، فاستُبعد محمد من قائمة المرشحين للزراعة.
في البداية رفض الأب السفر إلى كوريا خشية أن يتعرض ابناه لمكروه أثناء التبرع بالكبد. لكنه استقل الطائرة إلى كوريا في أبريل الماضي بعد إقناع ابنيه.

حتى فصيلة الدم كانت مختلفة… 17 ساعة جراحة في ثلاث غرف عمليات
استمرت العقبات حتى بعد الوصول إلى كوريا. إذ كانت فصيلة دم الابن الثاني عمر مختلفة عن فصيلة دم والده. وأوضح مستشفى سيؤول أسان أنه نفّذ حتى الآن أكثر من 1100 حالة زراعة كبد مع عدم توافق فصيلة الدم.
في الساعة 8 صباحاً من يوم 22 مايو، بدأت ثلاث غرف عمليات العمل في الوقت نفسه. واستأصل الأستاذان سونغ كي-وون وجونغ دونغ-هوان جزء الكبد من كل من الابنين. وأُخذ الفص الأيسر من كبد الابن الأكبر عبر شق جراحي صغير يقل عن 10 سم، فيما أُخذ الفص الأيمن من كبد الابن الثاني بالمنظار.
وأزال الأستاذ الفخري لي سونغ-غيو والأستاذ مون دوك-بوك كبد الأب المريض. وبما أن الاشتباه كان قائماً بأن السرطان غزا الوريد البابي، طُبقت «تقنية عدم اللمس» لتجنب ملامسة الورم قدر الإمكان.
وعند محاولة إدخال كبدي الابنين، ظهرت مشكلة أخرى. فقد كانت المساحة تحت الحجاب الحاجز أضيق من المتوقع. ونقل الفريق الطبي الكلية اليمنى والغدة الكظرية قليلاً إلى الأمام والأسفل داخل البطن لتأمين مساحة يستقر فيها الكبد المزروع. وبدأت الجراحة صباحاً ولم تنتهِ إلا بعد تجاوز الساعة الثانية فجراً من اليوم التالي.

جاء لإجراء جراحة لوالده ثم قال: «أريد أن أتعلم في سيؤول أسان»
لا يمكن مقارنة المستوى الطبي العام بين فرنسا وكوريا اعتماداً على هذه الحالة وحدها. لكن عند حصر المقارنة في زراعة الكبد الحيّة عالية التعقيد للبالغين، يتضح أن مستشفى سيؤول أسان راكم خبرة نادرة على مستوى العالم.
وعمر هو من يجسد دلالة هذا الاختيار. إذ قال بعد الجراحة: «خلال إقامتنا في مستشفى سيؤول أسان، تأثرت عائلتنا كثيراً بتفوّق التقنيات الطبية ونظام المستشفى، ولا سيما الموقف الإنساني في التعامل الصادق مع المرضى»، مضيفاً: «وبوصفي أعمل جرّاح قلب في فرنسا، خطرت لي فكرة أنني أود يوماً ما أن أتلقى تدريباً في مستشفى سيؤول أسان».
الطبيب الذي فتّش في الأبحاث ليعثر على مستشفى كوري لإنقاذ والده، بات يقول الآن إنه يريد أن يتعلم التقنيات الطبية في ذلك المستشفى.
