
"أمي، صداع مرة أخرى؟ اذهبي إلى المستشفى وجرّبي أخذ حقنة."
"هل يليق بكبار السن أن يأخذوا حقنة باهظة الثمن كهذه؟"
هذا السؤال يلاحق كثيراً من كبار السن المصابين بالصداع النصفي. فمع تناول أدوية مزمنة مثل أدوية ضغط الدم والسكري، يبرز القلق من إضافة علاج جديد: هل سيكون آمناً مع تعدد الأدوية؟ وهل سيحقق فاعلية ملموسة؟ باحثون كوريون قدّموا إجابة للمرة الأولى استناداً إلى بيانات استخدام واقعية من الممارسة السريرية.
بعد عام من الحقن.. 7 من كل 10 انخفض لديهم الصداع بوضوح
تابع فريق بحثي مشترك من 9 مستشفيات جامعية في كوريا 107 مرضى بالصداع النصفي تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر، تلقّوا علاج الأجسام المضادة وحيدة النسيلة المضادة للببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين (CGRP) خلال الفترة من يناير 2022 حتى أبريل 2025. وتلقى المرضى أحد علاجين: غالكانيزوماب (الاسم التجاري: إمغالِتي) أو فريمانيزوماب (الاسم التجاري: أجوفي). ونُشرت النتائج في عدد 5 يونيو من المجلة الدولية المتخصصة في الصداع والألم 《مجلة الصداع والألم (The Journal of Headache and Pain)》.
وأظهر تحليل المرضى الذين واصلوا العلاج بانتظام أن نسبة من انخفض لديهم عدد أيام الصداع الشهرية إلى النصف أو أكثر بلغت 48.2% بعد 3 أشهر، و67.9% بعد 6 أشهر، و70.4% بعد 12 شهراً، مع ارتفاع النسبة بمرور الوقت. أي إن الصداع تراجع بوضوح لدى 7 من كل 10 مرضى تلقّوا العلاج لمدة عام. وحتى عند احتساب جميع المرضى، بمن فيهم من أوقفوا العلاج في منتصف الطريق، ظلّت الفاعلية قائمة عند 38.8% بعد 3 أشهر و40.9% بعد 6 أشهر.
هل يمكن استخدامه مع أدوية ضغط الدم والسكري؟
ولا تقل السلامة أهمية عن الفاعلية، خصوصاً مع احتمال التداخلات الدوائية. فهل قد يشكل الجمع بين أدوية ضغط الدم وأدوية السكري، ثم إضافة حقنة للصداع النصفي، عبئاً إضافياً على الجسم؟
وخلال فترة المتابعة في هذه الدراسة، سُجلت حالة وفاة واحدة، لكن تبيّن أنها غير مرتبطة بدواء الدراسة. ولم تُسجل أي آثار جانبية خطيرة أخرى. واقتصرت الأعراض على حالات خفيفة مثل الإمساك أو الحكة في موضع الحقن.
وقال البروفيسور جو سو-هيون، أستاذ طب الأعصاب في مستشفى أويجونغبو التابع لجامعة أولجي: "غالباً ما يصاحب الصداع النصفي لدى كبار السن أمراض مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم أو السكري، كما أن تناول عدة أدوية معاً أمر شائع، ما جعل اختيار العلاج الوقائي صعباً". وأضاف: "هذه الدراسة مهمة لأنها أكدت، عبر بيانات واقعية من الممارسة السريرية، أن الأجسام المضادة وحيدة النسيلة المضادة لـCGRP يمكن أن تكون خياراً وقائياً فعالاً وآمناً حتى لدى مرضى الصداع النصفي من كبار السن".
لماذا لم نحصل على إجابة إلا الآن؟
ويعود نقص البيانات السابقة إلى أن التجارب السريرية المحورية للأجسام المضادة وحيدة النسيلة المضادة لـCGRP أُجريت في الغالب على من هم دون 65 عاماً. إذ ظلت مشاركة المرضى المسنين محدودة بسبب تعقّد الأمراض المصاحبة وكثرة الأدوية التي يتناولونها، ما ترك فجوة واضحة في الأدلة.
وفي الخارج، ظهرت بالفعل محاولات لتقليص هذه الفجوة.
ففي دراسة شملت 18 عيادة للصداع في إسبانيا ونُشرت عام 2023 في 《مجلة الصداع والألم (The Journal of Headache and Pain)》، أظهر تحليل 162 شخصاً بعمر 65 عاماً فأكثر أنه بعد 6 أشهر انخفض متوسط عدد أيام نوبات الصداع النصفي الشهرية بأكثر من 10 أيام، وكانت الآثار الجانبية في معظمها خفيفة. كما أفاد فريق بحثي من «كليفلاند كلينك» في الولايات المتحدة، في عدد عام 2025 من المجلة السريرية لطب الأعصاب 《Neurology Clinical Practice》، بأنه عند مقارنة المرضى بعمر 65 عاماً فأكثر بمن هم دون ذلك لم تظهر فروق من حيث الفاعلية أو الآثار الجانبية.
غير أن هذه الدراسات جميعها ركزت على مرضى من الغربيين، وغالباً لم تتجاوز مدة المتابعة 6 أشهر. أما بيانات الاستخدام الواقعي التي تابعت مرضى كوريين مسنين لمدة عام أو أكثر عبر 9 مستشفيات، فهي الأولى من نوعها.
من يستجيب أكثر.. ومن يستجيب أقل؟
وحلل فريق البحث أيضاً العوامل التي قد تؤثر في الاستجابة للعلاج.
وأظهرت المريضات استجابة علاجية أفضل. في المقابل، كان المرضى الذين سبق أن فشل لديهم علاج ذيفان البوتولينوم مرة واحدة أقل استجابة أيضاً للأجسام المضادة لـCGRP.
ويشير ذلك إلى أن تراكم حالات فشل العلاج يضيّق الخيارات العلاجية اللاحقة. كما يدعم الحاجة إلى بدء العلاج الوقائي للصداع النصفي في أقرب وقت ممكن.

وأضاف جو: "بما أن عدداً كبيراً من المرضى الذين واصلوا العلاج شهدوا انخفاضاً في عدد أيام الصداع إلى النصف أو أكثر، فمن المتوقع أن يشكل ذلك أساساً مهماً مستقبلاً لتحسين جودة حياة مرضى الصداع النصفي من كبار السن ووضع استراتيجيات علاجية مخصصة".
ومع ذلك، وبحكم طبيعة الدراسة الرصدية، يصعب الجزم بعلاقة سببية. كما أن عدد المرضى المشمولين لم يكن كبيراً إذ بلغ 107 مرضى، ما يستدعي إجراء دراسات إضافية واسعة النطاق.
