ورم دماغي يعاود النمو رغم الجراحة والعلاج الكيماوي…العثور على «شريك» أبقى الخلايا السرطانية حيّة

| إدخال:

للمرة الأولى: تحديد علاقة تعاون بين OSMR وCLIC1 تعزّز نمو الورم وترفع مقاومته للعلاج

طبيب يشرح لمريض نتائج الفحوصات داخل غرفة المستشفى. يُعرف الورم الأرومي الدبقي بأنه ورم دماغي خبيث كثير النكس حتى بعد الجراحة والعلاج الإشعاعي والعلاج الكيماوي. وأكدت دراسة حديثة وجود علاقة تعاون بين بروتينين يؤديان دوراً محورياً في بقاء الخلايا السرطانية. الصورة=Getty Image Bank

"أجريتُ الجراحة وتلقيتُ الإشعاع أيضاً، فلماذا عاد الورم؟"

هذا سؤال يتكرر كثيراً لدى عائلات مرضى الورم الأرومي الدبقي.

الورم الأرومي الدبقي هو أكثر أنواع الأورام الدبقية الخبيثة شراسةً، وينشأ من الخلايا الدبقية في الدماغ. ويقع ضمن الدرجة الرابعة، وهي الأعلى خباثةً، في تصنيف منظمة الصحة العالمية لأورام الدماغ. ويبلغ معدل البقاء على قيد الحياة لمدة 5 سنوات نحو 7% تقريباً، ما يجعله من بين أسوأ السرطانات الصلبة من حيث الإنذار. ورغم استمرار الأبحاث لعقود، لم يرتفع معدل البقاء إلا بالكاد.

ولا يعود ذلك إلى عامل واحد. إذ تتغلغل خلايا الورم الأرومي الدبقي عميقاً داخل نسيج الدماغ وتنمو على هيئة امتدادات شبيهة بالأصابع، ما يجعل استئصالها بالكامل جراحياً بالغ الصعوبة. وحتى مع الأدوية تبقى المشكلة قائمة؛ فالحاجز الدموي الدماغي يمنع معظم أدوية العلاج الكيماوي. وحتى إن حقق العلاج أثراً مؤقتاً، فإن الخلايا الجذعية الورمية التي تنجو تتحول إلى بذور تُطلق النكس. وهنا يكمن سبب عودة الورم للنمو رغم الجراحة والإشعاع وحتى العلاج الكيماوي.

وكشف فريق بحثي تقوده الأستاذة المشاركة آريزو جاهاني-أصل من قسم طب الخلية والطب الجزيئي بكلية الطب في جامعة أوتاوا الكندية جانباً من آليات «النكس والمقاومة» على المستوى الجزيئي. وحدد الفريق بروتيناً آخر هو CLIC1 قال إنه ظلّ يُبقي الخلايا السرطانية حيّة عبر تعاونه مع بروتين OSMR. وللمرة الأولى، رصد الباحثون علاقة تعاون خفية بين بروتينين يعززان نمو الورم ويرفعان مقاومة العلاج.

ونُشرت الدراسة في المجلة العلمية الدولية 《Signal Transduction and Targeted Therapy》 في عدد 23 مايو.

لماذا لا يحدث الشفاء رغم العلاج؟…سر بروتينين

البروتينان هما OSMR (مستقبل أونكوستاتين M) وCLIC1 (قناة الكلوريد داخل الخلية 1). ويُطلق على OSMR في أبحاث الورم الأرومي الدبقي وصف «قائد تقدّم الورم»، إذ يدمج إشارات الخلية ويحوّل الخلايا السرطانية إلى حالة أكثر عدوانية. كما يرفع مقاومة العلاج الإشعاعي، ويعزز حتى إنتاج الطاقة لدى الخلايا الجذعية لأورام الدماغ.

لكن كيفية تمكن OSMR من أداء كل هذه الأدوار في آن واحد ظلت لغزاً حتى الآن.

ورسم الفريق خريطةً كاملة للبروتينات التي تتحرك مع OSMR باستخدام تقنية مسح تفاعلات البروتينات. ومن بينها، حدّد CLIC1 بوصفه الشريك المحوري.

CLIC1 هو بروتين قناة مغروس في غشاء الخلية. وفي الظروف المعتادة ينظم تدفق الأيونات داخل الخلية وخارجها. لكن دوره يتغير في الورم الأرومي الدبقي؛ إذ ينقل إشارات تساعد الخلايا السرطانية على البقاء حتى تحت الضغط وعلى الانتشار إلى نسيج الدماغ المحيط. وبذلك تبيّن أن OSMR وCLIC1 يعملان معاً.

وقالت الأستاذة المشاركة جاهاني-أصل: «لأن الورم الأرومي الدبقي يفعّل في الوقت نفسه مسارات بقاء متعددة، كانت العلاجات القائمة تُحبط مراراً»، وأضافت: «يمثل محور OSMR–CLIC1 بوابةً تنظّم عدة مسارات مقاومة دفعة واحدة، وإذا قطعنا هذا المحور فقد نتمكن من تعطيل آليات مقاومة متعددة في آن واحد».

عندما أُطفئ مفتاح الانتشار…فقدت خلايا ورم الدماغ طريقها

ودعمت التجارب هذه النتائج.

أزال الفريق جين CLIC1 باستخدام تقنية تحرير الجينات (CRISPR). فانقطع الارتباط بين OSMR والمستقبل الطافر (EGFRvIII). كما جرى تثبيط الإشارة المحورية (STAT3) التي تقود تكاثر الخلايا السرطانية. وتباطأ تقدّم الورم الأرومي الدبقي بشكل ملحوظ.

ولم يكن الأمر مجرد نمو أبطأ. ففي تجارب داخل الكائن الحي أيضاً، أدى زرع خلايا جذعية لورم دماغي أزيل منها CLIC1 في أدمغة فئران إلى كبح نمو الورم.

وقال فريق مركز دونيلي في جامعة تورونتو، المشارك في البحث: «عندما أزلنا CLIC1 اختفت أساساً قدرة خلايا الورم الأرومي الدبقي على الانتشار داخل نسيج الدماغ».

ويكمن رعب الورم الأرومي الدبقي ليس في سرعة نموه فحسب، بل في قدرته على التغلغل والانتشار داخل نسيج الدماغ. ولهذا يعود الورم حتى بعد إزالة الكتلة الورمية جراحياً؛ إذ تتحول الخلايا السرطانية التي كانت قد انتشرت بالفعل في نسيج الدماغ المحيط إلى بذور لورم جديد. وكان CLIC1 أحد الأجهزة الأساسية التي تسند تلك القدرة على الغزو.

بدلاً من المشرط…بالأجسام المضادة وكانت النتيجة نفسها

لكن إزالة الجين عبر كريسبر ليست طريقة يمكن تطبيقها مباشرة على المرضى. فلا بد من تحويلها إلى علاج دوائي.

وحلّ الفريق هذه المعضلة باستخدام جسم مضاد وحيد النسيلة. والأجسام المضادة وحيدة النسيلة هي أدوية مصممة لاستهداف هدف محدد بدقة.

وصنع الباحثون جسماً مضاداً (tmCLIC1omab) يحجب بشكل انتقائي CLIC1 المكشوف على سطح غشاء الخلية واختبروه. وكانت النتيجة متطابقة في تجارب الخلايا وفي تجارب الفئران داخل الكائن الحي: جرى تثبيط إشارات الورم، كما ضعفت وظائف الخلايا الجذعية لورم الدماغ.

وتُستخدم الأجسام المضادة وحيدة النسيلة بالفعل في علاج عدة سرطانات مثل سرطان الثدي وسرطانات الدم. ولهذا تُقيَّم هذه النتائج على أنها لم تكتفِ بكشف الآلية، بل حدّدت أيضاً «هدفاً قابلاً للتحويل إلى دواء».

وقالت الأستاذة المشاركة جاهاني-أصل: «عندما تعمل على أبحاث الورم الأرومي الدبقي ترى بنفسك مدى سرعة تقدّم هذا المرض، وكيف ينهار ليس المريض وحده بل الأسرة بأكملها»، وأضافت: «هذا الواقع هو ما يدفعنا بقوة للبحث عن منفذ».

ويخطط الفريق للتحقق من مدى فاعلية هذا النهج لدى أي المرضى عبر الأنماط المختلفة للورم الأرومي الدبقي. كما يعتزم تقييم السلامة والفعالية عند استخدام mCLIC1omab مع العلاجات القائمة مثل الجراحة والإشعاع والعلاج الكيماوي.

وبحسب معهد أبحاث السرطان في جامعة سيول الوطنية، يُشخَّص في كوريا الجنوبية سنوياً نحو 630 شخصاً حديثاً بالورم الأرومي الدبقي. أما الأورام الدماغية الخبيثة إجمالاً، فقد أحصى المقر المركزي لتسجيل السرطان 2,011 حالة خلال عام 2023 وحده. وهو رقم ليس بالقليل.

وبالطبع، لكي يتحول هذا الاكتشاف إلى علاج فعلي، لا بد من اجتياز عقبة التجارب السريرية على البشر. وسيستغرق ذلك على الأقل عدة سنوات.

ومع ذلك، تكتسب هذه الدراسة أهمية أمام مرض ظلّ معدل البقاء لخمس سنوات فيه شبه ثابت لعقود، لأنها كشفت «شريك» النكس.

×