موضوع اليوم هو الجدل حول «الأومامي» اللي اشتعل بقوة لفترة طويلة. بنستخدم شاي غيوكورو كمادة للحديث، وبنركّز على كلمة «الأومامي» نفسها عشان نتأملها تأملًا فلسفيًا-علميًا.
شاي غيوكورو (玉露茶) شاي أخضر غني بطعم الأومامي. يُنتَج في أوجي باليابان. ومن قرون وهم يسوّون الشاي من أوراق تُزرع مع حجب ضوء الشمس قبل القطف، يعني تُربّى في الظل.
سبب قوة الأومامي هو ارتفاع محتوى الحمض الأميني «ثيانين» (Theanine) داخل أوراق الشاي. الثيانين يضيف طعم الأومامي لأوراق الشاي. عادةً الثيانين في أوراق شجرة الشاي إذا تعرّض للشمس يتحول إلى مركّب بوليفينولي اسمه «كاتيشين» (catechin)، لكن مع حجب ضوء الشمس يُمنَع تحوّل الثيانين إلى كاتيشين.
لكن الأومامي ما تم الاعتراف به كطعم أساسي في المجتمع العلمي العالمي إلا مع دخول القرن الحادي والعشرين. وكمان الثيانين والكاتيشين ما انعرفوا إلا بعد ظهور الكيمياء الحديثة. هذي الحقائق هي نقطة الانطلاق للتأمل في جدل الأومامي.
حتى القرن 20 ما كان فيه مفهوم «الأومامي» بوصفه الطعم الخامس؟
منذ القرن السادس عشر، تراكمت في اليابان خبرة تقول: إذا انحجب ضوء الشمس عن أوراق الشاي صار الطعم أنعم وأحلى. وتحولت هالخبرة لمعرفة عملية، وفي مزارع الشاي كانوا يحجبون الشمس عشان يرفعون الأومامي.
بدأت زراعة الحجب الضوئي (遮光) من زمن ما كانت حتى كلمة «ثيانين» موجودة. وبعدها انكشف إن زراعة الحجب الضوئي ترفع محتوى حمض أميني اسمه ثيانين، فتقوّي الأومامي. والأهم إن مفهوم الطعم المسمّى «الأومامي» نفسه ما كان داخل مفردات العلم إلا إلى عام 1908.

يوضح جدل الأومامي بشكل جلي فكرة محورية قالها توماس كون في 〈بنية الثورات العلمية〉: «العلم يشتغل فوق عالم مُصاغ باللغة». ومعنى «عالم مُصاغ باللغة» إن كل الملاحظات والتجارب والاستنتاجات اللي يتعامل معها العلم تتم أساسًا داخل مفاهيم وفئات اتفقت عليها المجتمعات والجماعات باستخدام اللغة. فالظاهرة اللي ما لها اسم إلى الآن تكاد تكون—علميًا—غير موجودة.
أهل الشاي كانوا يعرفون بتذوقهم وبأجسادهم تغيّر الشاي مع زراعة الحجب الضوئي. فعند حجب الضوء تقل المرارة ويطلع «عمق» ناعم. لكن لغة أهل الشاي وقتها ما كان فيها مصطلح علمي اسمه «الأومامي»، إنما كانت عندهم تعبيرات يومية مثل «ناعم»، «لطيف»، «محمّص/مكسراتي» وبس.
ومن منظور كون، كان الأومامي في هالمرحلة «واقعًا غير مُصاغ باللغة». الإحساس موجود بلا شك، لكنه ما اندمج في نظام لغوي عام يقدر العلم يصفه ويتداوله؛ لذلك ما كان ممكن الاعتراف به كواقع أكاديمي أو مؤسسي. بمعنى آخر، خبرة أهل الشاي كانت تمشي خارج لعبة اللغة العلمية.
في عام 1908، عزل إيكيدا كيكو-ناي حمض الغلوتاميك من مرق الكومبو، وسمّى هالطعم «الأومامي=أومامي (旨味)». وبعدها حوّله لمنتج تجاري على هيئة مُنكّه «أجينوموتو» وطرحه في السوق العالمية.
وقتها بس صار «الأومامي» لغة عامة وانحط في قلب الجدل. ووفق تحليل كون، فعل التسمية هذا مو مجرد إعطاء لقب؛ بل هو «فعل يخلق عالمًا جديدًا». فاسم «أومامي» يثبّت فئة الطعم اللي يشير لها ويعرضها، ويطالب بنظام جديد لتصنيف الأذواق.
في ذاك الوقت كان المجتمع العلمي المتمركز في الغرب لا يزال قائمًا على أربعة أذواق أساسية: الحلو والمالح والحامض والمر. وظهور «الأومامي» يعني إن طعمًا كان يُفسَّر سابقًا على إنه «مزيج من الملوحة والحلاوة» صار مرشحًا مؤقتًا ليكون «الطعم الخامس المستقل».
لكن عبر تجارب علم النفس الفيزيائي (psychophysics) الطويلة والكتب الدراسية والتعليم، كانت الأذواق قد تثبّتت على أنها أربعة «أذواق أساسية». قبول فئة طعم جديدة مو مجرد إضافة، بل موضوع معقّد جدًا ويتطلب إعادة كتابة تصميم التجارب وبنية النظرية كاملة.
«أومامي» الياباني مقابل «Savory» الغربي
هنا تشتغل مقولة كون بحدة. طريقة العلماء في رؤية العالم تتشكل بواسطة لغة المفاهيم اللي يستخدمونها. وبالنسبة للعلماء الغربيين كان «الأومامي» كلمة أجنبية ما تنترجم بسهولة للغة المختبر.
ظهرت كلمة «أومامي»، لكنها كانت مرتبطة بثقافة الطبخ اليابانية، وما كانت التقاليد التجريبية الغربية مستعدة تبنيها كفئة حسية مستقلة. في اليابان كان الأومامي طعمًا له كيان، أما في الغرب فكان لا يزال مجرد نكهة مركبة تمتزج فيها الملوحة والحلاوة.
ومن بصائر كون الثانية إن اللغة تقود تطوير الأدوات العلمية. في زمن ما كان فيه مفهوم «الأومامي» ما كان فيه سبب لتطوير أدوات تقيسه أو تسوي عليه تجارب. وبعد ظهور مفهوم «أومامي» تطورت في اليابان بسرعة تصاميم التجارب وتقنيات تقييم الحواس والتحليل الكيميائي اللي تسنده.
وبينما خلقت اللغة اتجاهًا للملاحظة والتحليل والقياس في اليابان، ما كان عند المختبرات الغربية تصاميم تفصل خصائص إدراك حمض الغلوتاميك بشكل مستقل. وكانت ظواهر مثل التأثير التآزري (حمض الغلوتاميك+النوكليوتيدات) تُعامَل على أنها «تأثيرات خليط». ومن هنا بدأ الغرب واليابان يصطدمون بقوة حول: هل الأومامي واقع ولا لا.
صدام الأومامي ما كان مجرد «اختلاف في تفسير البيانات». في ذاك الوقت كان صعب ترجمة الأومامي بين نظامين لغويين. يقول كون إن العلماء إذا كانوا ينتمون لنماذج إرشادية مختلفة فقد يشيرون—حتى باستخدام الكلمة نفسها—لأشياء مختلفة.
في جدل الأومامي كانت كلمة «أومامي» اليابانية فئة مستقلة واضحة عاشها اليابانيون عبر الممارسة الطبخية. أما كلمة «savory» في اللغات الغربية فكانت فئة رخوة غالبًا تشير للنكهة الكلية اللي تمتزج فيها الرائحة والملوحة وإحساس الدهن. «Savory» الغربية ما كانت تقدر تترجم «أومامي» اليابانية بدقة، وانعكس عدم التطابق هذا مباشرة على تصميم التجارب وتفسير البيانات.
توماس كون، «العلم يشتغل فوق عالم مُصاغ باللغة»
نرجع لشاي غيوكورو. الأومامي اللي كان أهل الشاي يحسّونه وهم يشربون غيوكورو ما دخل ضمن فئة الطعم الجديدة المسماة «الأومامي» إلا في عام 1908. وقبل 1908 ما كان ممكن ترجمة معرفة أهل الشاي الخبراتية إلى لغة العلم.
أما حقيقة إن زراعة الحجب الضوئي ترفع محتوى الثيانين، وبالتالي ترفع الأومامي، فقد تثبتت بعد كذا بنحو ستين سنة عبر أبحاث رائدة لكيتو وآخرين عام 1966.
لكن حتى أواخر القرن العشرين كان الأومامي يُعامَل في ساحة التبادل الأكاديمي الدولي كأنه غير موجود فعليًا. وهذا يوضح حرفيًا كلام كون عن «تبعية لغة الملاحظة للغة النظرية». عشان تصير فيه ملاحظة تحتاج لغة تشيلها. وفي المجتمعات الغربية اللي ما كان عندها لغة للأومامي ما تم الاعتراف بهالطعم بعد.
لغة العلم مو وسيط محايد يسجل الحقائق، بل تعكس سلطة مؤسسية وثقافية. نموذج «الأذواق الأربعة» كان راسخًا داخل بنى التعليم والنشر والتحكيم في المؤسسة العلمية الغربية لفترة طويلة. وإدخال مصطلح مفهومي جديد يتطلب إعادة ترتيب للسلطة والمؤسسات. وكان صعب على علم الأذواق الغربي وقتها يعترف بالأومامي بالرجوع لثقافة الطبخ اليابانية.
ومع ذلك قربت النهاية. في أوائل القرن الحادي والعشرين انكشفت بروتينات مستقبلات الأومامي. وكمان أثبتت تجارب علم النفس الفيزيائي أن الأومامي مو طعم مختلط بل طعم مستقل. وأخيرًا اعترف المجتمع العلمي الدولي بالأومامي كطعم أساسي. واندُمج الأومامي في المنظومات المفاهيمية للصناعة والأوساط الأكاديمية.
وكذلك أُدرجت ثقافة الطعام اليابانية التقليدية «واشوكو» القائمة على الأومامي ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2013. الحين ما عاد أحد يشك في «وجود الأومامي».
لو ما كانت فيه لغة اسمها «الأومامي»، فممكن ما كانت ظهرت أصلًا نسبة كبيرة من بياناتنا التجريبية وتقنياتنا الصناعية ومعارفنا الطبخية الحالية. اللغة ما تصف الواقع بس، بل تصنعه، وتحدد اتجاه البحث، وتخلي أشياء بعينها موجودة. ويؤكد جدل الأومامي مقولة إن «الحقائق العلمية ما توجد إلا داخل وعاء اسمه اللغة».
وفي نفس الوقت يلمّح إلى إن المعرفة العملية غير المُصاغة باللغة ممكن تضطر تنتظر وقت طويل بدون داعي قبل ما يُعترف بها علميًا. حتى الطرق اللي ثبتت في الحياة اليومية مثل زراعة الحجب الضوئي قد تُقبل متأخرًا داخل المؤسسة بسبب حاجز اللغة.
وبالنظر للماضي، جدل الأومامي من الحالات اللي سبقت فيها المعرفة الخبراتية المعرفة العلمية. أهل الشاي شربوا طعمًا «غير موجود بعد» بالنسبة للعلم، واستمتعوا فيه ونقلوه. كانوا يصفونه بأنه رقيق وناعم وبس، لكنهم كانوا رواد فتحوا باب الإدراك بدري.
ثم لحقت اللغة متأخرة. حصل هالطعم على اسم «أومامي» عام 1908، واستغرق الأمر قرنًا بعد ذلك لينضج نظام مفاهيمي قادر يترجم الأومامي.
الحين بس صار الأومامي طعمًا حقيقيًا عند الناس حول العالم. وأهل الشاي اللي عرفوا الأومامي قبل ما تعترف به الأوساط العلمية والعالم كانوا محظوظين لأنهم استمتعوا بدري بمكسب إضافي ما كان غيرهم يعرفه.
ويعلّمنا تاريخ جدل الأومامي إن أذواقًا وإحساسات وظواهر إلى اليوم ما تزال خارج مفرداتنا قد تكون لسه تنتظر إنها تُصاغ باللغة.
يو يونغ-هيون، مدير عيادة تي كلينيك(العمود الصوتي «قصة 1+1» https://www.youtube.com/@yhyoo0906)
