بعد الولادة ظنّت أن الأمر انتهى… «لماذا ضغط الدم هكذا؟» ما القصة؟

| إدخال:

22 مايو اليوم العالمي لمقدمات الارتعاج… تحسّنٌ ظاهري بعد الإنجاب لكن مخاطر قصور القلب والسكتة الدماغية ترتفع

امرأة حامل تقيس ضغط الدم في المنزل. صورة=كليات كوريا

"قيل لي إن ضغط دمي كان مرتفعاً قليلاً أثناء الحمل، أليس من المفترض أن يتحسن بعد الولادة؟"

بعض النساء يطوين الصفحة فور الولادة، على أساس أن المشكلة انتهت. الحديث هنا عن من ارتفع ضغط دمهن أثناء الحمل، أي من أصبن بمقدمات الارتعاج (الاسم القديم: تسمّم الحمل).

أعداد المصابات بهذا الاضطراب في ازدياد. وبحسب إحصاءات المواليد لعام 2024 الصادرة عن هيئة الإحصاء الكورية، ارتفع متوسط عمر المرأة الكورية عند إنجاب طفلها الأول إلى 33.1 عاماً، وهو أعلى مستوى منذ بدء تجميع الإحصاءات ذات الصلة في عام 1990.

وتزداد مخاطر مقدمات الارتعاج مع الحمل في سن متقدمة. ووفق إحصاءات هيئة مراجعة وتقييم التأمين الصحي، ارتفع عدد المراجعين للعلاج المرتبط بمقدمات الارتعاج بنحو 70% بين عامي 2016 و2020.

غير أن ما يثير القلق أكثر هو ما يحدث بعد الولادة: كثيرات يتوقفن عن المتابعة بمجرد عودة ضغط الدم إلى مستواه الطبيعي، كما تتراجع متابعة المستشفى. وفي هذه الفترة قد يستمر الضرر الوعائي بصمت.

كلما تأخر الإنجاب زادت مخاطر الأوعية الدموية

يصادف 22 مايو من كل عام اليوم العالمي لمقدمات الارتعاج. وأقرّته في عام 2017 منظمات صحة الأمهات حول العالم، بينها مؤسسة تسمّم الحمل والجمعية الدولية لارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل.

موضوع هذا العام هو «اعرفي أعراضها (Know Her Symptoms)». ومع تزايد الاهتمام بحقيقة أن مقدمات الارتعاج قد تظهر ليس فقط أثناء الحمل بل أيضاً حتى 6 أسابيع بعد الولادة، يحمل الشعار دعوة للتعرّف إلى الأعراض بعد الولادة أيضاً.

ومع التقدم في العمر تتصلّب الأوعية الدموية وتتراكم الالتهابات المزمنة، وتصبح عملية ترسّخ أوعية المشيمة في جدار الرحم أكثر هشاشة. وطبياً يُصنَّف الحمل بعد سن 35 عاماً على أنه حمل في سن متقدمة.

أما الاسم القديم لهذا المرض «تسمّم الحمل» فليس دقيقاً؛ إذ يوحي وكأن سماً يصعد في الجسم، وهو توصيف لا يعكس حقيقة الاضطراب.

ويُعرف مقدمات الارتعاج أيضاً باسم «ما قبل الإرجاج». أما الإرجاج فيظهر على شكل نوبات تشنج عامة أو فقدان للوعي خلال الحمل أو قبيل الولادة أو بعدها. وفي مقدمات الارتعاج يرتفع ضغط الدم ويظهر البروتين في البول. وإذا اشتدت الحالة قد تتحول إلى إرجاج.

وترتبط أسباب مقدمات الارتعاج بالمشيمة. فإذا لم تتمكن أوعية المشيمة في بدايات الحمل من الترسّخ جيداً في جدار الرحم، يضطرب تدفق الدم. وتتضرر أوعية الأم في أنحاء الجسم، ويرتفع ضغط الدم بعد الأسبوع 20 من الحمل، ويظهر البروتين في البول. وفي الحالات الشديدة قد يهاجم الدماغ والكبد والكلى وحتى العينين.

ويظل العلاج الأكثر جذرية هو الولادة. يمكن خفض ضغط الدم بالأدوية، لكن لا توجد طريقة لإصلاح المشيمة التي تمثل السبب. وغالباً ما تتحسن الأعراض بعد خروج المشيمة. ولأن السبب لم يُكشف بالكامل حتى الآن، لم تتغير خيارات العلاج كثيراً حتى بعد مرور عقود.

هل تنتهي القصة بعد الولادة؟ القلب يتذكر

لهذا تعتقد كثير من النساء أن الأمر «انتهى»، خصوصاً مع عودة ضغط الدم إلى مستواه الطبيعي.

لكن بعد العودة إلى الحياة اليومية، تعاني بعض النساء من ضيق نفس بسهولة أو خفقان في الصدر حتى عند صعود بضعة طوابق من السلالم، وغالباً لا يربطن ذلك بالولادة.

وهنا تكمن المشكلة: حتى لو بدت الأرقام طبيعية، لا تختفي الأضرار التي لحقت بالأوعية الدموية. وليس قليلاً عدد الأمهات اللواتي يستمر لديهن ارتفاع ضغط الدم حتى بعد 3 أشهر من الولادة، وفي الحالات الشديدة قد يستغرق عودة ضغط الدم والبيلة البروتينية إلى الطبيعي عامين.

ومع الانشغال برعاية الطفل، يصعب التفكير في الفحوصات. يبدو الجسد وكأنه عاد إلى طبيعته، لكن الأذى الوعائي يتراكم بصمت خلال تلك الفترة.

وأظهرت دراسة تحليل تلوي (ميتا-تحليل) نشرها فريق بحثي من جامعة كيل في المملكة المتحدة عام 2017 بعد تحليل بيانات أكثر من 6.5 مليون امرأة حول العالم، أن النساء اللواتي عانين مقدمات الارتعاج ارتفع لديهن لاحقاً خطر قصور القلب بنحو 4 مرات، وخطر السكتة الدماغية بنحو مرتين. وظل الخطر قائماً حتى بعد أخذ العمر والسمنة والسكري في الحسبان. فالآثار التي يتركها مقدمات الارتعاج على الأوعية الدموية وبطانتها والتمثيل الغذائي قد تمتد لسنوات وعقود.

ولا يتوقف الأمر عند قصور القلب والسكتة الدماغية. فقد نشر فريق من معهد المصل الوطني الدنماركي في عام 2018 دراسة أترابية تتبّعت 1.17 مليون امرأة دنماركية في المجلة الطبية البريطانية 《BMJ(British Medical Journal)》، وأظهرت النتائج ارتفاع خطر الخرف الوعائي أيضاً. الأوعية التي يمسّها مقدمات الارتعاج تمتد آثارها إلى الدماغ.

الحمل يفرض عبئاً شديداً على القلب. إذ يزداد حجم البلازما بعد منتصف الحمل إلى حد أقصى يبلغ نحو 50%. ومقدمات الارتعاج إشارة إلى أن الأوعية الدموية بلغت حدودها. وحتى بعد زوال المشيمة، تبقى آثار الالتهاب وتلف الخلايا البطانية الوعائية لسنوات.

تبدأ الإدارة الصحية بعد الولادة

فما الذي ينبغي فعله الآن؟

حملة اليوم العالمي لمقدمات الارتعاج هذا العام تحمل شعار «تحقّقي، اعرفي، شاركي (Check, Know, Share)». وتهدف إلى قياس ضغط الدم ذاتياً، وفهم الأرقام، والتشاور مع الطاقم الطبي. وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة تسمّم الحمل الأميركية هذا العام على نحو 3000 امرأة حامل أن نسبة من يعرفن مقدمات الارتعاج بلغت 80%، لكن نسبة من استطعن شرح جميع الأعراض بدقة لم تتجاوز 8%.

ينبغي أولاً تقييم ما إذا كانت المرأة ضمن الفئة عالية الخطورة. وتشمل العوامل: العمر 35 عاماً فأكثر، الحمل الأول، السمنة، ارتفاع ضغط الدم أو السكري أو أمراض الكلى، وجود تاريخ عائلي لمقدمات الارتعاج، والحمل المتعدد. وإذا انطبق عامل واحد على الأقل، فقد يلزم مناقشة تناول الأسبرين مع الطبيب المعالج.

كما قد تفيد مكملات الكالسيوم لدى النساء اللواتي يعانين نقصاً في تناوله. ويساعد أيضاً الانتظام في التمارين الهوائية على خفض الخطر. وإذا ظهرت بعد الأسبوع 20 من الحمل أعراض مثل الصداع أو تراجع البصر أو ألم أعلى البطن أو تورم مفاجئ، فيجب التوجه إلى المستشفى فوراً.

وتوصي الجمعية الأميركية لأمراض القلب والجمعية الأوروبية لأمراض القلب النساء اللواتي عانين مقدمات الارتعاج بفحص ضغط الدم وسكر الدم والكوليسترول خلال 6~12 شهراً بعد الولادة، ثم متابعة الحالة القلبية الوعائية سنوياً. كما يمكن قياس ضغط الدم في المنزل مرتين أسبوعياً على الأقل وتدوين القراءات. وأياً كان التخصص الطبي الذي تراجعينه، ينبغي ذكر تاريخ مقدمات الارتعاج أولاً. فهذه الجملة وحدها تغيّر خطة الفحوصات.

بعد الولادة يتجه اهتمام الأسرة بطبيعة الحال إلى الطفل. وفي تلك الأثناء يُدفع ضغط دم الأم إلى منطقة عمياء من المتابعة. فلنُسجّل ضغط الدم معاً داخل الأسرة، ولنحرص على مواعيد الفحوصات.

إذا سبق أن قيل لك إن ضغط دمك كان مرتفعاً أثناء الحمل، فذلك التشخيص لا يبقى حبيس ملف طبيب النساء والولادة. القلب يتذكر تلك الفترة.

×