فحص دم واحد يرصد 9 من كل 10 حالات سرطان القولون… ويكشف 84% من السرطانات المبكرة

| إدخال:

مستشفى أسان في سيول و«جي سي جينوم» يحللان بيانات 1677 شخصاً… ورصد 58.3% من السلائل عالية الخطورة للتحول إلى سرطان

البروفيسور هونغ سونغ-ووك من قسم أمراض الجهاز الهضمي في مستشفى أسان بسيول يعاين مريضاً بسرطان القولون. الصورة=مستشفى أسان بسيول

يصف كثيرون فحص سرطان القولون بأنه مُرهق منذ خطواته الأولى. فاختبار الدم الخفي في البراز، وهو الفحص الأساسي ضمن برنامج الفحص الوطني للسرطان، يتطلب جمع عينة من البراز مباشرة. وإذا ظهرت نتيجة غير طبيعية، يتعين الخضوع لتنظير القولون، كما يجب في اليوم السابق للفحص تناول دواء وتفريغ الأمعاء بالكامل.

فهل يمكن، من دون هذه الإجراءات، تقدير خطر الإصابة بسرطان القولون بمجرد سحب عينة دم؟

فريق بحثي كوري حلّل خصائص شظايا الحمض النووي في الدم باستخدام الذكاء الاصطناعي (AI)، وخلص إلى أنه تمكن من رصد نحو 9 من كل 10 مرضى بسرطان القولون، كما كشف 84.2% من حالات سرطان القولون في مراحله المبكرة. ومع ذلك، لا تزال النتائج بعيدة عن أن تحل محل برنامج الفحص الوطني القائم أو تنظير القولون.

وقال مستشفى أسان بسيول، في بيان نقلَه يوم 27، إن فريق البروفيسور بيون جونغ-سيك والبروفيسور هونغ سونغ-ووك من قسم أمراض الجهاز الهضمي أعلن نتائج دراسة أُجريت بالتعاون مع «جي سي جينوم» حول طريقة فحص تستخدم الحمض النووي في الدم لتمييز سرطان القولون.

ونُشرت نتائج الدراسة في الدورية العلمية الدولية 《مجلة الجمعية الأميركية لأمراض الجهاز الهضمي (The American Journal of Gastroenterology)》.

الذكاء الاصطناعي يحلل آثار الحمض النووي التي تتركها الخلايا السرطانية في الدم

عندما تموت خلايا الجسم، تتسرب أجزاء من الحمض النووي الموجود داخلها إلى مجرى الدم على هيئة شظايا صغيرة. ويُطلق على ذلك اسم «الحمض النووي الحرّ الخلوي (cfDNA)».

وينطبق الأمر نفسه على الخلايا السرطانية. غير أن شظايا الحمض النووي الصادرة عن الخلايا السرطانية تختلف عن تلك الصادرة عن الخلايا الطبيعية من حيث الطول، ومواضع الانقطاع، وشكل الأطراف وغيرها.

طريقة تشخيص دموية تعتمد على الحمض النووي الحرّ الخلوي تتيح تشخيص سرطان القولون عبر فحص الدم فقط باستخدام الذكاء الاصطناعي. الصورة=جي سي جينوم

واستفاد فريق البحث من هذا الاختلاف. إذ استخرج شظايا الحمض النووي من الدم وقرأ المعلومات الوراثية، ثم جعل الذكاء الاصطناعي يحلل دفعة واحدة خصائص متعددة مثل طول الشظايا ومواضع الانقطاع وتوزعها. وتعتمد الطريقة على أن يرصد الذكاء الاصطناعي فروقاً دقيقة يصعب تمييزها بالعين البشرية لتقدير احتمال وجود السرطان.

وشارك في الدراسة 1677 شخصاً: 302 مريضاً بسرطان القولون، و108 مرضى لديهم سلائل قولونية عالية الخطورة للتحول إلى سرطان، و1267 شخصاً تأكدت سلامتهم عبر تنظير القولون.

ودرّب الفريق الذكاء الاصطناعي على التمييز بين السرطان والحالة الطبيعية باستخدام بيانات 1250 شخصاً من المشاركين. أما بيانات الـ427 المتبقين فلم تُستخدم في التدريب، واحتُفظ بها منفصلة للتحقق من مدى قدرة النظام فعلياً على التمييز بين الحالات.

وبلغت حساسية تشخيص سرطان القولون 90.4%. وتشير الحساسية إلى نسبة اكتشاف السرطان بشكل صحيح عند فحص مرضى مصابين فعلاً. أي إن الفحص تمكن من رصد نحو 9 من كل 10 مرضى بسرطان القولون.

أما «النوعية»—أي نسبة تصنيف الأصحاء على أنهم أصحاء—فبلغت 94.7%. وهذا يعني أن الفحص ميّز نحو 95 من كل 100 شخص غير مصاب بالسرطان على أنهم طبيعيون.

رصد 84% من السرطانات المبكرة⋯و58% من السلائل عالية الخطورة

كما رصد الفحص عدداً كبيراً من الحالات في المراحل المبكرة. وبلغت الحساسية بحسب المرحلة: 84.2% في المرحلة الأولى، و85.0% في المرحلة الثانية، و94.4% في المرحلة الثالثة، و100% في المرحلة الرابعة. وعلى وجه الخصوص، كشف الفحص أكثر من 8 من كل 10 مرضى في المرحلة الأولى.

وفي سرطان القولون المبكر القابل للإزالة بالتنظير، بلغت الحساسية 90%.

وشملت عينة الفحص أيضاً سلائل ليست سرطانية بعد لكنها تحمل خطراً مرتفعاً للتحول إلى سرطان. ويُطلق عليها طبياً «الورم الغدي القولوني المتقدم». وهي آفات تكون كبيرة الحجم أو شديدة التغيرات الخلوية، ما يجعل خطر تحولها إلى سرطان أعلى من السلائل الصغيرة المعتادة.

ورصد فحص الدم في هذه الدراسة «الورم الغدي القولوني المتقدم» بنسبة 58.3%. ومن المعروف أن نسبة اكتشاف اختبار الدم الخفي في البراز لهذه السلائل تكون عادة في حدود 25~40%.

كما اختلفت نسبة اكتشاف سرطان القولون نفسه. إذ بلغت حساسية فحص الدم في هذه الدراسة 90.4%. وشرح مستشفى أسان بسيول أن حساسية اختبار الدم الخفي في البراز المستخدم حالياً تُقدَّر بنحو 70~80%.

غير أنه لا يمكن الجزم بأن فحص الدم أدق بمجرد المقارنة المباشرة بين الرقمين. فهذه الدراسة لم تُجرِ الاختبارين معاً على الأشخاص أنفسهم لمقارنة الأداء وجهاً لوجه.

وتختلف نتائج علاج سرطان القولون بشكل كبير كلما جرى اكتشافه مبكراً. ووفقاً للسجل المركزي للسرطان، بلغ عدد حالات سرطان القولون المشخّصة حديثاً في كوريا عام 2023 نحو 32610 حالة، ليكون ثالث أكثر السرطانات شيوعاً. وعندما يظل السرطان محصوراً في القولون، تبلغ نسبة البقاء النسبي لخمس سنوات 94.9%، لكنها تنخفض إلى 20.4% إذا انتشر بعيداً إلى أعضاء أخرى.

أعلى من فحص البراز لكن ليست دراسة مقارنة مباشرة

وفي برنامج الفحص الوطني للسرطان في كوريا حالياً، يُجرى اختبار الدم الخفي في البراز سنوياً للرجال والنساء ممن تبلغ أعمارهم 50 عاماً فأكثر. وهو فحص يتحقق مما إذا كان البراز يحتوي على كميات دقيقة من الدم لا تُرى بالعين المجردة. وإذا جاءت النتيجة إيجابية، يُوصى بالخضوع لتنظير القولون.

وأوضح مستشفى أسان بسيول أن حساسية اختبار الدم الخفي في البراز لسرطان القولون تُعرف بأنها في حدود 70~80%، بينما ظهرت في فحص الدم ضمن هذه الدراسة عند 90.4%.

لكن لا يمكن الجزم بأن فحص الدم أدق من اختبار الدم الخفي في البراز اعتماداً على هذا الرقم وحده.

ففي هذه الدراسة، لم يُجرَ فحص الدم واختبار الدم الخفي في البراز معاً على الأشخاص أنفسهم ثم تُقارن النتائج مباشرة لمعرفة أيهما يكتشف الحالات بشكل أفضل.

كما تختلف عينة الدراسة إلى حد ما عن واقع مواقع الفحص الصحي الفعلية. إذ جرى هنا تجنيد مرضى سرطان القولون ومرضى السلائل عالية الخطورة وأشخاص ثبتت سلامتهم عبر تنظير القولون، ثم تقييم مدى قدرة فحص الدم على التمييز بينهم.

أما في الفحص الوطني الفعلي، فيتعين اكتشاف عدد قليل من مرضى السرطان المختبئين بين أعداد كبيرة من الأشخاص الذين لا تظهر عليهم أعراض في الغالب. ويتطلب الأمر دراسات إضافية للتحقق مما إذا كانت الدقة ستبقى مماثلة عند تطبيق الفحص على عامة الناس الذين يخضعون لفحوصات صحية.

(من اليسار) البروفيسور بيون جونغ-سيك من قسم أمراض الجهاز الهضمي في مستشفى أسان بسيول، والبروفيسور هونغ سونغ-ووك. الصورة=مستشفى أسان بسيول

هل يصبح الفحص ممكناً من دون جمع البراز أو تفريغ الأمعاء؟

وتكمن أكبر أسباب الاهتمام بفحص الدم في سهولته. فهو لا يتطلب جمع عينة براز مباشرة كما في اختبار الدم الخفي في البراز، ولا يحتاج إلى تفريغ الأمعاء قبل الفحص كما في تنظير القولون. وإذا أصبح بالإمكان إجراء فحص أولي عبر سحب الدم فقط كما في الفحوصات الصحية العامة، فقد يسهم ذلك في خفض العوائق أمام من يترددون في إجراء الفحص.

وبحسب بيانات هيئة التأمين الصحي الوطني التي استشهد بها مستشفى أسان بسيول، بلغت نسبة الخضوع للفحص الوطني لسرطان القولون في عام 2025 نحو 44.4%، وهي الأدنى بين فحوصات السرطان الرئيسية.

وقال بيون جونغ-سيك، مدير مركز تنظير الجهاز الهضمي في مستشفى أسان بسيول: «قدمت هذه الدراسة إمكانية تقليل العبء الذي شعر به الناس في مسار الفحص القائم، وطرحت احتمال فرز سرطان القولون بسهولة عبر فحص الدم فقط»، مضيفاً: «إذا اجتمعت سهولة التشخيص الدموي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، فقد يقود ذلك إلى فحص أكثر ملاءمة لسرطان القولون».

لكن لا تزال هناك مراحل يجب تجاوزها قبل استخدام فحص الدم في الفحوصات الصحية الفعلية. إذ ينبغي التأكد مما إذا كان يستطيع، عند فحص أشخاص لا تظهر عليهم أعراض، اكتشاف السرطان والسلائل الخطرة بهذه الدرجة من الكفاءة.

كما أن ارتفاع خطر سرطان القولون في نتيجة فحص الدم لا يعني تأكيد التشخيص بالسرطان فوراً. وللتأكد النهائي مما إذا كان سرطاناً، أو لإزالة السلائل أو السرطان المبكر، تبقى هناك حاجة إلى فحوصات إضافية مثل تنظير القولون.

×