«الساعة فوق الجينية» لقياس عمر الجسم… بلا معيار موحّد

| إدخال:

موجة «عكس الشيخوخة» ترفع كلفة الفحوص إلى مئات آلاف الوون… وخبراء كثيرون يشككون

يتزايد الاهتمام بقياس «عمر الجسم» بالتزامن مع موجة «عكس الشيخوخة». صورة=كليب آرت كوريا 

«عمرك الفعلي في الخمسينات، لكن عمر جسمك في الثلاثينات.»

وصفٌ يتردد كثيراً عند الحديث عن مشاهير معروفين بانضباطهم في العناية بصحتهم.

ومؤخراً، تحدثت المغنية والممثلة أوم جونغ-هوا (56 عاماً) في برنامج تلفزيوني عن طريقتها الخاصة للعناية بالصحة، قائلة: «كلما أجريت فحص الدم والفحص البدني، صار عمر جسمي أصغر تدريجياً حتى انخفض إلى أوائل الثلاثينات». 

ومع تنامي الرغبة في الحفاظ على الشباب، وبفعل موجة «عكس الشيخوخة»، يتزايد الاهتمام بقياس عمر الجسم ليس بين المشاهير فحسب، بل بين عامة الناس أيضاً. 

ويختلف ما يُعرف عادةً بـ«عمر الجسم» في طريقة القياس والاحتساب بحسب نوع الفحص. وفي كوريا، استُخدم مؤشرٌ يحوّل الحالة الجسدية إلى «عمر» بعد تجميع نتائج الفحوص الصحية أو شكل الجسم، ووظائف الأيض والقلب والرئتين وحالة الأوعية الدموية وغيرها، ثم مقارنتها بمتوسطات إحصائية للفئة العمرية نفسها أو بمستويات مخاطر الأمراض، تحت مسميات مثل «عمر الجسم» أو «عمر الصحة» أو «العمر الحيوي».

وفي الآونة الأخيرة، ظهرت فحوص تتقدم خطوة إضافية عبر تحليل معلومات بيولوجية مثل الحمض النووي (DNA) لتقدير درجة الشيخوخة.  

الولايات المتحدة: انتشار فحوص «العمر البيولوجي»… «حتى الشخص نفسه قد يحصل على نتائج مختلفة»

وقالت صحيفة واشنطن بوست (WP) في مقال رأي نُشر في أبريل الماضي إن «عشرات الشركات تبيع خدمات تُخبر بالعمر البيولوجي بأسعار تتراوح بين نحو 30 دولاراً وأكثر من 1000 دولار». وبذلك تتوسع محاولات قياس الشيخوخة من نطاق البحث إلى سوق يستهدف المستهلكين العاديين.

لكن هل يمكن الوثوق بهذه الأرقام باعتبارها «العمر الحقيقي لجسدي»؟ 

وأوضح البروفيسور إيدان شاليف من جامعة ولاية بنسلفانيا، والباحث آفنر آبسلي من جامعة إلينوي، في مقال واشنطن بوست أن «القيود العلمية لا تزال كبيرة لاستخدام نتائج فحوص العمر اللاجيني المتاحة تجارياً في الحكم على صحة الفرد». 

ومن بين طرق قياس العمر البيولوجي التي تحظى باهتمام أخيراً «الساعة فوق الجينية (epigenetic clock)» التي تعتمد على مثيلة الحمض النووي (DNA methylation).

حتى لو لم يتغير تسلسل قواعد الحمض النووي لدى الإنسان، فإن التقدم في العمر والتعرض لبيئات متعددة قد يسببان تغيرات تتمثل في التصاق أو انفصال مادة كيميائية صغيرة تُسمى «مجموعة الميثيل» في مواضع محددة من الحمض النووي. ويُطلق على ذلك «مثيلة الحمض النووي». ويمكن لهذه التغيرات أن تؤثر في طريقة عمل الجينات، كما تُظهر بعض المواضع نمطاً ثابتاً كلما تقدم العمر.

وطوّر الباحثون أنواعاً متعددة من الساعات فوق الجينية لتقدير درجة الشيخوخة عبر تحليل العلاقة بين أنماط مثيلة الحمض النووي والعمر وغيرها. ويعود ذلك إلى أن السمات البيولوجية المرتبطة بالشيخوخة قد تختلف حتى بين أشخاص لهم العمر الفعلي نفسه، تبعاً لعوامل متنوعة مثل نمط الحياة والضغط النفسي والتعرض البيئي. 

لكن الخبراء يشددون على أنه رغم إمكانية أن تكون الساعة فوق الجينية أداة مفيدة لأبحاث الشيخوخة، فإنها لا تزال غير كافية لاستخدامها كفحص طبي لقياس الحالة الصحية للفرد. 

أولاً، لا توجد «ساعة» واحدة موحّدة لقياس «العمر البيولوجي». فالساعات فوق الجينية تتعدد بحسب مواضع الحمض النووي التي تُحلَّل، وبحسب بيانات أي مجموعة سكانية استُخدمت لبناء الخوارزمية، وبحسب ما صُممت للتنبؤ به. فبعضها يركز على تقدير العمر الفعلي، بينما طُوّر بعضها الآخر للتنبؤ بسرعة الشيخوخة أو خطر الوفاة. ولهذا، قد لا تتطابق النتائج إذا طُبقت ساعات فوق جينية مختلفة على الشخص نفسه. 

كما قد يؤثر توقيت الفحص. إذ يمكن أن تختلف التقديرات بسبب تغيرات قصيرة الأمد مرتبطة بالنظام الغذائي أو المرض أو التعرض البيئي أو وقت إجراء الفحص خلال اليوم. ويقول الخبراء إن النتائج قد تختلف أيضاً بشكل كبير تبعاً لنوع العينة المستخدمة، مثل الدم أو اللعاب، وبحسب التقنية المعتمدة لقياس مثيلة الحمض النووي. 

وعلى وجه الخصوص، يصعب اختزال «الشيخوخة» بوصفها مساراً حياتياً في رقم واحد. ويؤكد باحثو الشيخوخة أن الساعة فوق الجينية قد تعكس، إلى جانب بيئة المعيشة، تجارب حياتية يصعب على الفرد التحكم بها مثل الشدائد أو الصدمات في الطفولة، والظروف الاجتماعية والاقتصادية. 

كوريا أيضاً: تسويق فحوص DNA والتيلومير… ويجب التمييز بينها وبين «عمر الجسم»

وفي كوريا، طُرحت بالفعل فحوص تقدّر العمر البيولوجي عبر تحليل مثيلة الحمض النووي. وتقوم إحدى شركات تحليل الجينوم بتحليل مثيلة الواسمات فوق الجينية باستخدام DNA الدم وتقدير العمر الحيوي. 

وهناك أيضاً فحوص تقدّر عمر الجسم عبر قياس طول التيلومير الموجود في أطراف كروموسومات الخلايا. وفي بعض المستشفيات ومراكز الفحص الصحي داخل البلاد، تُدار فحوص التيلومير باستخدام الدم وغيره كفحوص اختيارية منفصلة.  

وتتراوح كلفة فحوص «العمر الحيوي» التي تُعبّر عن العمر عبر تجميع عمر السمنة/شكل الجسم وأعمار الأعضاء مثل القلب والكبد والبنكرياس والكلى، أو التي تحلل مخاطر الإصابة بالسرطان استناداً إلى مؤشرات صحية، بين 3~10 آلاف وون، بينما قد تصل كلفة الفحوص فوق الجينية أو فحوص التيلومير إلى مئات آلاف الوون بحسب طريقة الفحص والجهة المقدِّمة.

وقد يكون ضبط العادات الغذائية اليومية، بدلاً من إنفاق مبالغ كبيرة لقياس عمر الجسم، طريقة جيدة للحفاظ على الشباب.

ويوصي الخبراء باتباع نمط غذائي يقلل الاعتماد على مكملات غذائية محددة أو علاجات مضادة للشيخوخة، ويركز على تناول كميات كافية من الأطعمة النباتية مثل الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات، مع تقليل الأطعمة المصنعة والسكريات والإفراط في شرب الكحول. وإلى جانب ذلك، من المهم أيضاً المواظبة على تمارين هوائية وتمارين قوة بانتظام، والحصول على نوم كافٍ، والإقلاع عن التدخين، والحفاظ على وزن مناسب وإدارة التوتر.

×