
ألم يشبه عصر الصدر بقوة. هذا العرض هو الأكثر حضوراً في أذهان كثيرين عند الحديث عن أمراض القلب.
لكن أمراض القلب لدى النساء غالباً ما تبدأ بضيق في التنفس أو إرهاق أو غثيان.
وأظهر المسح أن من يدركون هذه الفروق بين الرجال والنساء لا يزيدون على 4 من كل 10 أشخاص.
وقال مستشفى أنام التابع لجامعة كوريو، يوم 19، إن فريق البروفيسورة بارك سونغ-مي في قسم أمراض القلب والأوعية الدموية أجرى مسحاً وطنياً لقياس وعي الجمهور بالفروق المرتبطة بالجنس في أمراض القلب والأوعية الدموية. وأُنجزت الدراسة ضمن مشروع «تحسين تقنيات تشخيص وعلاج أمراض القلب والأوعية الدموية القائمة على الفروق بين الجنسين وتطبيقها في الممارسة السريرية»، بدعم من المعهد الوطني للصحة التابع لوكالة مكافحة الأمراض والوقاية منها في كوريا.
وتولى البروفيسور كيم هيون-جين من قسم أمراض القلب في مستشفى غوري التابع لجامعة هانيانغ دور المؤلف الأول الذي قاد الدراسة عملياً، فيما تولت البروفيسورة بارك سونغ-مي دور المؤلف المراسل المشرف على البحث والمسؤول عن النتائج. ونُشرت النتائج مؤخراً في 〈مجلة جمعية القلب الأميركية (JACC: Advances)〉.
لماذا يختلف الرجال والنساء؟
ترتبط هذه الفروق بأسباب بيولوجية، إذ تختلف طبيعة الأوعية الدموية التي تحدث فيها المشكلة.
فعند الرجال، غالباً ما يحدث انسداد موضعي في الأوعية الكبيرة (الشرايين التاجية)، ما يجعل الأعراض أقرب إلى ألم صدري نمطي. في المقابل، تكون اضطرابات الوظيفة في الأوعية الدقيقة الأقل وضوحاً أكثر شيوعاً نسبياً لدى النساء.
وأشار فريق البروفيسورة بارك سونغ-مي إلى أن دراسة كشف عنها للمرة الأولى في العالم عام 2024 أظهرت أن نسبة من لديهم اضطراب في الأوعية الدقيقة بين المرضى الذين تظهر لديهم أعراض الذبحة الصدرية رغم عدم انسداد الأوعية الكبيرة بلغت 46% لدى النساء و31% لدى الرجال. ولأن موضع الألم ليس في وعاء دموي كبير واحد بل في شبكة الأوعية الدقيقة بأكملها، تميل الأعراض إلى الظهور بشكل مبهم على مستوى الجسم كله، مثل ضيق التنفس والإرهاق والغثيان، أكثر من كونها ألماً واضحاً.
كما تلعب الهرمونات دوراً كبيراً. فالإستروجين يوسّع الأوعية الدموية ويقلل الالتهاب ويحسّن مستويات الكوليسترول، بما يحمي الأوعية. وبفضل ذلك، تميل أمراض القلب والأوعية الدموية لدى النساء إلى الظهور في المتوسط بعد نحو 10 سنوات مقارنة بالرجال.
لكن عند انقطاع الطمث، ينخفض الإستروجين بشكل حاد فتتلاشى هذه الحماية ويرتفع الخطر سريعاً. وتُعد مضاعفات الحمل مثل تسمم الحمل (ما قبل الإرجاج) أو سكري الحمل عوامل خطر خاصة بالنساء ترفع أيضاً احتمال الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية لاحقاً.
وتنعكس هذه الفروق البيولوجية كذلك على فجوات في الممارسة السريرية. فقد حلّل فريق البروفيسورة بارك سونغ-مي بيانات هيئة مراجعة وتقييم التأمين الصحي في كوريا لنحو 630 ألف مريض بالاحتشاء الحاد لعضلة القلب (2003~2018)، وتبيّن أن معدل إجراء تصوير الشرايين التاجية لتأكيد الوعاء المسدود بلغ 63.2% لدى الرجال، مقابل 39.8% فقط لدى النساء.
ولفترة طويلة، صيغت أبحاث أمراض القلب والأوعية الدموية ومعايير التشخيص بالتركيز على أنماط الأعراض لدى المرضى الرجال. وبذلك، عندما تظهر لدى النساء أعراض غير نمطية، يصبح من السهل على الطواقم الطبية تفويتها.

مستوى الوعي لا يصل حتى إلى النصف
وفي هذا السياق، أجرى فريق البحث استطلاعاً عبر الإنترنت شمل 2003 بالغين تتراوح أعمارهم بين 20 و80 عاماً، مع توزيع نسبي بحسب العمر والجنس والمنطقة. وسأل الاستطلاع عن مدى معرفة المشاركين بالفروق بين الرجال والنساء التي تظهر في أعراض أمراض القلب والأوعية الدموية وعوامل الخطر والتشخيص والعلاج والإنذار.
وأظهرت النتائج أن نسبة من أبدوا مستوى مرتفعاً من الوعي لم تتجاوز 39.7% من الإجمالي. وهذا يعني أن نحو 6 من كل 10 أشخاص لا يعرفون جيداً الفروق بين الرجال والنساء في أمراض القلب والأوعية الدموية.
وكان نقص الوعي متشابهاً لدى الرجال والنساء، ما يشير إلى الحاجة إلى تعليم يستهدف الجنسين معاً، وليس جنساً بعينه.
وتبيّن أن احتمال ارتفاع مستوى الوعي كان أكبر بمقدار 1.84 مرة لدى من لديهم تاريخ عائلي لأمراض القلب والأوعية الدموية، في حين كان المستوى أقل نسبياً لدى غير العاملين وذوي الدخل المنخفض، ما يشير إلى أن الفئات الأضعف اجتماعياً واقتصادياً تواجه صعوبة أكبر في الوصول إلى المعلومات ذات الصلة.
معلومات شحيحة لكن الطلب على التعليم مرتفع
وقال 96% من المشاركين إنهم لم يتعرضوا إطلاقاً خلال العام الماضي لأي معلومات عن الفروق بين الرجال والنساء في أمراض القلب والأوعية الدموية (68.9%) أو تعرضوا لها أحياناً (27.0%). في المقابل، بلغت نسبة من رأوا ضرورة توفير تعليم يراعي الفروق بين الجنسين 60.2%. بينما لم تتجاوز نسبة من اعتبروا أن دعم الحكومة والمجتمع كافٍ للوقاية التي تراعي الفروق بين الجنسين 27.7%، ما أبرز فجوة واضحة بين الطلب الشعبي على التعليم ومستوى الدعم الفعلي.
وتواصل البروفيسورة بارك سونغ-مي، بصفتها مديرة مركز قلب المرأة في «روزيته هول» بمستشفى أنام التابع لجامعة كوريو، تقديم الرعاية والبحث في أمراض القلب والأوعية الدموية بما يعكس الخصائص المرتبطة بالجنس.
وقالت بارك: «في الآونة الأخيرة، أصبحت التشخيصات والعلاجات التي تراعي الفروق بين الرجال والنساء معياراً دولياً، لكن هذه الدراسة تُظهر أن وعي عامة الناس لا يزال بعيداً عن ذلك إلى حد كبير»، مضيفة: «هناك حاجة إلى تعليم موجّه للجمهور وحملات عامة تشمل الرجال والنساء معاً وتمتد أيضاً إلى الفئات الأضعف اجتماعياً واقتصادياً». وتابعت: «تُعد هذه الدراسة أول تقييم على مستوى وطني في البلاد لوعي الجمهور بالفروق بين الجنسين في أمراض القلب والأوعية الدموية، بالتعاون مع المعهد الوطني للصحة التابع لوكالة مكافحة الأمراض والوقاية منها في كوريا، ومن المتوقع أن تشكل أساساً مهماً لوضع استراتيجيات تعليم على المستوى الوطني لتحسين سياسات الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية وتعزيز العدالة الصحية مستقبلاً».
حتى في غياب ألم الصدر، إذا كان ضيق التنفس شديداً على نحو غير معتاد أو كان الإرهاق سريعاً أو وُجد غثيان، فقد تكون هناك حاجة للاشتباه بصحة القلب أيضاً. ويزداد ذلك أهمية خصوصاً عند وجود تاريخ عائلي. فمجرد الانتباه إلى هذه الأعراض يمكن أن يجعل التشخيص والعلاج أسرع بكثير.
"
