
عند زيارة نادٍ للياقة البدنية، مو نادر تشوف أشخاص يتجاهلون التمرين تمامًا ويكتفون بالساونا. تتعدد الأسباب مثل «ما فيه وقت» أو «لياقتي ما تساعدني» وغيرها. وقد يخطر ببالك: هل الاشتراك كذا يصير هدر؟
لكن فعليًا، تتوالى نتائج أبحاث تشير إلى أن الساونا لوحدها ممكن تفيد الصحة. قد تكون الأسباب والخلفيات متعددة، لكن يكفي نلاحظ أن اليابان—اللي تعطي الاستحمام أهمية كبيرة—تُعد من دول طول العمر عالميًا، وهذا يخلي الاهتمام بعلاقة الاستحمام بالصحة أمرًا طبيعيًا. استعرضنا أوراقًا منشورة في دوريات طبية وصحية دولية، ومقالات في وسائل إعلام صحية، لمعرفة كيف ممكن الساونا تفيد صحتنا.
الساونا تقود توجهات العافية في الولايات المتحدة
أفادت الإذاعة العامة الوطنية الأميركية (NPR) في مطلع هذا الشهر بأن «الساونا تتصدر توجهات العافية في الولايات المتحدة، وتجذب الجيل الجديد للاستفادة من فوائد الساونا ذات التقاليد العريقة». ومع تزايد اهتمام الجمهور، تنمو الصناعات التي تقدم تجارب الساونا، كما تتزايد المناطق التي تقيم مهرجانات للساونا.
في نيويورك ومينيابوليس تُقام بالفعل مهرجانات ساونا بشكل منتظم. وفي سياتل، افتُتح أول مهرجان للساونا في خريف العام الماضي داخل قرية ساونا مؤقتة أُقيمت في الهواء الطلق بمتحف نورديك المحلي. وقدمت قرية الساونا للمشاركين فرص تجربة مرافق متنوعة، مثل ساونا حرارية مصنوعة من جذوع الأشجار، وأحواض ماء ساخن وبارد، وساونا متنقلة عبر تحويل مقطورة تخييم.
حالة «توتونو» الممتعة بعد الساونا… واتضح أنها تؤثر في تنظيم موجات الدماغ
ذكرت NPR أن عددًا متزايدًا من الشباب الأميركيين صاروا مولعين بحالة «توتونو» بعد الساونا، وهي حالة من الاسترخاء اللطيف والمزاج الجيد. وبحسب التقرير، فإن أحد أسباب ازدياد الإقبال على الساونا في الولايات المتحدة هو رواج الاستمتاع بهالحالة «توتونو».
وفيه أيضًا دراسة بحثت حالة توتونو. ففي ورقة نُشرت في يناير 2023 بعنوان: «دراسة حول التغيرات العصبية التي يسببها الاستحمام بالساونا: الأساس العصبي لحالة “توتونو” (A study on neural changes induced by sauna bathing: Neural basis of the “totonou” state)». نُشرت في مجلة PLOS ONE الصادرة عن دار النشر ذات الوصول المفتوح في المجال الطبي «Public Library of Science (PLoS)». وقدمتها شركة قياس موجات الدماغ اليابانية «Vie Style».
وتوتونو (totonou·整う) كلمة يابانية تعني «ينتظم» أو «يتناغم» أو «يكتمل». وتُستخدم غالبًا للدلالة على حالة متعة قصوى (نشوة الساونا) يصبح فيها الجسد والعقل أكثر صفاءً وطمأنينة بعد المرور بالساونا ثم حوض الماء البارد ثم الراحة.
وأظهرت مراقبة موجات الدماغ أن الدماغ وصل إلى حالة أكثر كفاءة. وعند تكليف الدماغ بمهام سلوكية في هذه الحالة، انخفض زمن الأداء بشكل ملحوظ. يعني إن الوصول إلى حالة توتونو الممتعة بعد «الساونا ثلاثية المراحل» يخلي الدماغ في وضع أكثر كفاءة.
الساونا تمنح فوائد صحية تعادل ركضًا خفيفًا عبر تحفيز الجهاز القلبي الوعائي

فوائد الساونا متعددة. وأكثر شيء ممكن تحس فيه مباشرة عند التعرض لحرارة الساونا هو تأثير تحفيز القلب والأوعية الدموية. وأوضح عالم فسيولوجيا الإنسان في جامعة أوريغون الأميركية، الدكتور كريستوفر مينسون، الذي يدرس تنظيم حرارة الجسم وآثاره الصحية، لـNPR أن «الساونا تحفّز الجهاز القلبي الوعائي بطريقة مشابهة للتمرين». فعندما ترتفع حرارة البيئة المحيطة فجأة، تتمدد الأوعية الدموية ويزداد معدل ضربات القلب، فيندفع الدم نحو الجلد ويبدأ التعرّق، ما يساعد الجسم على التبريد. وهذه العملية تشبه إلى حد كبير ما يحدث عند ارتفاع نبض القلب أثناء التمرين. وبحسب الدكتور مينسون، تشير عدة دراسات إلى أن حرارة الساونا تقوّي الجهاز القلبي الوعائي بطريقة مشابهة للتمرين.
وقال عالم علوم الرياضة في جامعة برن السويسرية، الدكتور ساشا كيتلهوت: «أظهرت نتائج الأبحاث أننا عند استخدام الساونا نلاحظ ارتفاع ضغط الدم ومعدل ضربات القلب بشكل يشبه القيام بنشاط بدني مثل الركض الخفيف».
وبحسب كيتلهوت، فإن دخول الساونا الفنلندية التقليدية التي تُحافظ على درجة حرارة تقارب 80 إلى 93 درجة مئوية يثير استجابة ضغط (توتر) فورية في الجسم. وعند حدوث استجابة الضغط الحادة، ينشط الجهاز العصبي الودي لمواجهتها. وعندما ينشط الجهاز العصبي الودي بسبب الضغط أو التوتر، تستمر ما يُعرف باستجابة «القتال أو الهروب (fight-or-flight response)» مثل زيادة نبض القلب والتعرّق. وهذا ينطبق أيضًا على التمرين. وبعد انقضاء هذه الحالة، يهدأ الجهاز العصبي الذي كان متوترًا بسبب التمرين أو الساونا أو الضغط، ومع المرور بهذه العملية تتحسن مؤشرات صحة القلب والأوعية الدموية.
ونصح اختصاصي القلب في جامعة مانيتوبا الكندية، الدكتور سيتور كونوتشور، بأنه «للحصول على أفضل تأثير لتحسين صحة القلب والأوعية الدموية، ينبغي استخدام الساونا على الأقل 3 إلى 4 مرات أسبوعيًا، ولمدة لا تقل عن 15 دقيقة في كل مرة».
الاستخدام المتكرر للساونا يخفض بشكل كبير خطر الإصابة بالخرف وألزهايمر
نُشرت أيضًا نتائج بحث تفيد بأن زيادة تكرار استخدام الساونا ترتبط بانخفاض معدلات الإصابة بالخرف ومرض ألزهايمر. جاء ذلك في ورقة بعنوان: «الاستحمام بالساونا يرتبط عكسيًا بالخرف ومرض ألزهايمر لدى الرجال الفنلنديين في منتصف العمر (Sauna bathing is inversely associated with dementia and Alzheimer's disease in middle-aged Finnish men)» المنشورة في عدد مارس 2017 من مجلة «Age and Ageing».
وبعد متابعة امتدت في المتوسط 20.7 سنة، تبيّن أن خطر الإصابة بالخرف لدى مجموعة الرجال كان، عند اعتبار مستخدمي الساونا مرة واحدة أسبوعيًا = 1، يساوي 0.78 لدى من يستخدمونها 2 إلى 3 مرات أسبوعيًا، و0.34 لدى من يستخدمونها 4 إلى 7 مرات أسبوعيًا. كما ظهر أن خطر الإصابة بألزهايمر كان منخفضًا بالمثل إلى 0.80 و0.34 على التوالي.
العلاج الحراري مثل الساونا قد يمنح أيضًا تأثيرًا مضادًا للاكتئاب
قال الدكتور تشارلز رايسون، أستاذ الطب النفسي وعلم البيئة البشرية في جامعة ويسكونسن-ماديسون، لـNPR إن «تعريض الجسم لحرارة مرتفعة لمدة محددة يمكن أن يحقق تأثيرًا مضادًا للاكتئاب بشكل فعّال للغاية». وفسّر رايسون ذلك بأن «المسارات بين الدماغ والجسم المسؤولة عن تنظيم حرارة الجسم تتداخل بدرجة كبيرة مع المسارات المسؤولة عن المزاج والرغبة والحالة العاطفية». والمقصود بالحرارة المرتفعة هنا لا يقتصر على الساونا، بل يشمل أشكالًا مختلفة من العلاج الحراري.
وأشار إلى نتائج دراسة من عام 2016، رغم أنها شملت عددًا صغيرًا يقارب 30 شخصًا، حيث أظهرت تجربة عشوائية مضبوطة أن المجموعة التي تلقت علاجًا حراريًا عاليًا لكامل الجسم مرة واحدة فقط شهدت انخفاضًا ملحوظًا في أعراض الاكتئاب مقارنة بمجموعة تلقت علاجًا وهميًا للمقارنة.
وبحسب هذه الدراسة، يفترض رايسون أن تعرض الجسم للحرارة يرفع بسرعة مستوى جزيء الإشارة المناعية إنترلوكين-6 (IL-6)، وأن ذلك قد يرتبط بتحسن أعراض الاكتئاب. ويُعد IL-6 جزيئًا تفرزه الخلايا المناعية في المراحل المبكرة من الاستجابة الالتهابية وعند العدوى، ويُنشّط آليات الدفاع داخل الجسم. لكن الإفراز المفرط لـIL-6 قد يسبب التهاب المفاصل الروماتويدي والالتهاب المزمن.
يساعد أيضًا في الوقاية من أمراض الجهاز التنفسي مثل الربو والالتهاب الرئوي
وتشير دراسة أخرى إلى أن الساونا تفيد صحة الجهاز التنفسي أيضًا. وهذا ما توصلت إليه دراسة عام 2017 لكلية الطب بجامعة بريستول في المملكة المتحدة ومعهد البحوث الصحية والسريرية بجامعة شرق فنلندا. ووفقًا لها، كلما زادت وتيرة استخدام الساونا انخفضت معدلات حدوث أمراض الجهاز التنفسي الحادة والمزمنة، بما في ذلك مرض الانسداد الرئوي المزمن والربو والالتهاب الرئوي.
وهي نتائج مستخلصة من متابعة 1935 رجلًا أبيض تتراوح أعمارهم بين 42 و61 عامًا، خلال فترة متابعة بلغ متوسطها 25.6 سنة لرصد حدوث الأمراض. وقد تبيّن أن الخطر الإجمالي للإصابة بأمراض الجهاز التنفسي لدى من يستخدمون الساونا 2 إلى 3 مرات أسبوعيًا كان أقل بمتوسط 27% ضمن فاصل ثقة 95% مقارنة بمن يستخدمونها مرة واحدة أسبوعيًا أو أقل. أما خطر الإصابة بالالتهاب الرئوي فكان أقل بنسبة 27% لدى مستخدمي 2 إلى 3 مرات مقارنة بمستخدمي مرة واحدة، وأقل بنسبة 37% لدى من يستخدمونها 4 مرات أسبوعيًا أو أكثر.
